الصفحة الأساسيةفي ظلال الياسمين
في حوار مع الشاعرة السورية بهيجة مصري إدلبي
ما زال للشعر الحقيقي حضوره الطاغي
السبت ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

شاعرة من حلب حيث الثقافة، والأدب، ورثت من المتنبي إبداعه، ومن سيف الدولة، حماسته وحكمته، اختارها الشعر ليكتب في أصابعها، وليخرج من حنجرتها نغمات جميلة، إلى عشاق الكلمة، عشاق الشعر، والأدب، والفن، تذكرك بالمواويل الحلبية، وقدودها، وبصباح فخري عندما كان يغني:

يا مال الشام يلا يا مالي
طال المطال يا حلوة تعالي

عندما تبحر معها في محيط الشعر، ترمي البوصلة في قاع المحيط ليتوه القارب، وتبقى في صحبة أشعارها إلى أن تهب عليك رياح عاتية فتغرق فيه.

ديوان العرب استضافت الشاعرة السورية بهيجة مصري إدلبي، وكان هذا الحوار.

- هل ترجمة الشعر العربي إلى لغات أخرى يصل إلى القارئ بنفس الموسيقى والنغمة الموجودة في النص العربي؟

- بالطبع لا.. فالأمر متعلق بمحتوى اللغة الفكري أولا وبمخزون المترجم ثانيا.
ومن هنا نرى أن بعض النصوص تفقد حين ترجمتها الكثير من خصوصيتها الإبداعية لأن ثمة خيوطا خفية تتركها اللغة في النص، ربما يفقد الكثير منها عندما ينتقل إلى لغة أخرى. و العكس بالعكس فالترجمة أحيانا ترتفع بالنص وتضيف إليه غنى إلى غناه الموجود في لغته الأم. و أنا ممن يرى في الترجمة كتابة جديدة للنص الأدبي.فهي تقوم بتحويله من لغته التي ولد في رموزها وثقافتها وخصوصيتها وعلاقاتها، إلى لغة أخرى تحمل تاريخا غير التاريخ ورموزا غير الرموز وسمات ثقافية مختلفة، وهنا تأتي مقدرة المترجم المبدع فالمترجم الحقيقي يجب أن يكون عالما باللغتين فمن خلال مخزونه الثقافي يستطيع أن يحمي النص من خلل المعنى أو اضطراب الشكل و يحافظ على جماليته ووجوده.

- أجمل بيت شعر تحبينه؟

- بيت المتنبي:

إذا غامرت في شرف مرومِ فلا تقنع بما دون النجومِ

- لو استمعت لأم كلثوم تغني البيت التالي للشاعر إبراهيم ناجي فماذا يخطر على بالك فجأة

وإذا الدنيا كما نعرفها
وإذا الأحباب كل في طريق

- أدخل في حالة من الصمت والتأمل، وفي التأمل أنجز نصا غائبا في الذات، لا أكتبه لكن أظل أطارده كالبرق الذي لا يُقبض عليه.

- لو قرأت فجأة قصيدة لك ينتحلها شخص آخر فما هي أول ردة فعل لك؟ ولو حكموك في عقابه، فماذا تحكمين عليه؟

- كثيرا ما تعرضت لمثل هذه الأمور. ليس بنص، وإنما بأكثر من فكرة، وأكثر من صورة ونسق لغوي ما، هو لي ويدّعيه آخر وأمام ناظري، في البداية أشعر بحالة من حالات غليان الدم وتشويش الرؤية، ثم لا ألبث أن أهدأ حين أرى مدى التفاوت في نصه بين عبارتي الأصل وعباراته المتناثرة التي تبحث عن رابط. يناديني صوت من داخلي بأن القارئ الحقيقي سيدرك فورا مدى التفاوت الواسع من خلال تلقيه للنص وهناك أمر هام أن مَنْ يكتب فعلا يدل عليه مخزونه الثقافي الذي يبقى في تدفق دائم، أما من ينتحل فإنه يصل حد الجفاف والنهاية.

وأولا وأخيرا أنا مؤمنة بأن الأصل يبقى مهما انتحله الآخرون، لأنهم لا يملكون سر الخلود الذي يملكه الأصل، فكُثرٌ هم الذين أخذوا صور وتراكيب نزار قباني ومحمود درويش وكُثرٌ هم من نحلوا الشعراء قديما وحديثا، لكن بالنتيجة ذهب المنتحلون أدراج الرياح وبقي الأصل الخالد.
أما العقاب فلا بد أن المواقف كثيرة وسيسقط ويبين المنتحِل عند أول موقف يتعرض له. فأين هو من ذاته حينها ؟

- هل الشعر في الساحة العربية في تراجع، أم لا زال له حضوره الطاغي؟

- لا أعتقد أن الشعر في تراجع، فما زال للشعر الحقيقي بريقه المستمر، وما يجعلنا نظن أنه في تراجع تلك السحابة من أشباه الشعراء التي ربما حجبت قليلا بريق الشعر لكنها سحابة صيف.

ومن ناحية أخرى لا يعني حديثي أن للشعر ذلك الحضور الطاغي، ربما لوجود أجناس أخرى تشاركه ذلك الحضور، وربما لأمور أخرى لا مجال للتفصيل فيها لأن الأمر سيُحلنا حينها إلى كل عناصر الحضور أو الغياب التي تتعلق في كينونة أو ضبابية الشعرية في حاضرنا اليوم من مبدع، وناقد، وقارئ، ومدارس وإعلام، وجمهور و... لكن سأقتصد بكلمة: أن الفن ثابت والمتحول هو الذي لا يشكله أكثر من جزء وهمي في عملية الإبداع الشعري.

- يكثر الحديث دائما عن الحوار بين الشرق العربي والإسلامي، وبين الغرب (أمريكا وأوروبا)، ولا تجد هيئة، أو مؤسسة ثقافية إلا وتناقش هذه المسألة، أين نحن من الحوار مع شرق آسيا مثل الصين مثلا أو مع دول إفريقية، أو من أمريكا الجنوبية؟ لماذا التركيز فقط على الحوار مع الغرب الأوروبي والأمريكي؟ أين نحن من الحوار مع أنفسنا؟

- لو أخذنا عبارة " حوار الحضارات " في الإطار الإنساني، لوجدنا أن الحوار قديم قدم الحضارة الإنسانية، ولا أحد يقف ضد حوار الحضارات والثقافات، لأن الحضارة التي لا تقيم حوار مع الحضارات الأخرى هي حضارة عقيمة ومنعزلة، والعزلة الحضارية تعني انكفاء الحضارة وبالتالي موتها.

والحضارة العربية والإسلامية هي حضارة حوار لأنها حضارة حية، حضارة أدركت ذاتها أولا ومن خلال إدراكها ذاتها أدركت العلاقة مع الآخر، فهي بقدر انفتاحها على الحضارات الإنسانية كانت مرتبطة بذاتها، وهويتها، فلم يكن حوارها مع الحضارات الأخرى إلغاء لوجودها، أو تذويب هويتها في الآخر، بل على العكس زادها الحوار وجودا وحضورا في المشهد الإنساني.
أما حوار الحضارات المنحاز للمعنى السياسي أكثر من انحيازه للمعنى الإنساني، فهو أبعد ما يكون عن الحوار، بل هو شكل من أشكال الصراع والصدام غير المتكافئ، ومن خلال قراءتنا للمعطيات السياسية وللصراع السياسي في العالم، وللعبة المصالح نجد أن فكرة حوار الحضارات إنما جاءت ردا أو تغطية لمفهوم صدام الحضارات الذي بدأ ينظر له الفكر الغربي بعد انهيار الإتحاد السوفياتي كطرف في توازن القوى في العالم، فجاء كتاب فوكوياما " نهاية التاريخ " وبعده كتاب " هنتنغتون " " صدام الحضارات ليوجهوا أنظار العالم إلى مستقبل تحكم فيه أمريكا العالم، وتفرض عليه سياستها وسلطتها، وعالمها الجديد.

فجاءت فكرة حوار الحضارات لا لدوافع إنسانية أو لإعلان الغرب التوبة وطلبه الغفران من الحضارات الإنسانية، وإنما هو خدعة أخرى سياسية تخفي تحتها سلطة الطرف الواحد لتقيم من خلال الحوار مفهوم سحق الحضارات.
والمشكلة وللأسف أن توجهنا نحو الغرب الأمريكي والأوربي دافعه الخوف وليس الحوار، دافعه التأمين على الفكر الغربي والسياسات الأمريكية والغربية، التي تنصب نفسها وصية على العالم، بكل ما تحمل من الموت لنا.

بل نحاول أن نوهم أنفسنا بأن مصلحتنا متعلقة مع الغرب على أـن الأمر غير ذلك فمصلحة الغرب هي المتعلقة بنا، لأننا نعينه بضعفنا لبسط سلطته على العالم.

والسؤال أين نحن من الحوار مع شرق آسيا مثل الصين مثلا أو دول أفريقية أو أمريكا اللاتينية، أقول ثمة محاولات خجولة، لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تستطيع تلك المحاولات أن تغري النظام العربي بقيمة الحوار بين الشرق والشرق، وأعتقد أن الفقرة الأخيرة من السؤال هي التي يجب البدء بها ويجب تعميقها أولا لأن الأمة التي لا تعرف كيف تحاور ذاتها وكيف تتحاور مع نفسها لا تستطيع أن تحاور أحدا. أو تبني أسسا للحوار الحضاري،
و رغم الصورة الرمادية التي تحيط بنا اليوم علينا أن نأخذ بالتفاؤل ودفع تلك المحاولات إلى مراحل أكثر تقدما لإغناء الحوار مع الشرق، والتأكيد على ضرورة الحوار مع الذات أولا، ويجب أن ندرك الحقيقة الغائبة أن مستقبل أمتنا وحضارتنا هي بالتوجه إلى حوار الشرق مع الشرق لأننا بذلك ننشئ حوارا حقيقيا لا يسلبنا وجودنا بل يشكل قوة في مواجهة الصراع الذي يروج له الغرب ويمارسه على وجودنا. تحت مسميات مختلفة، فكل المسميات التي يطلقها العالم الغربي والأمريكي تحت لائحة الحوار إنما هي رؤوس متعددة لأفعى واحدة هي أمريكا والقوة الأمريكية.

- بعض الكتاب الشبان تستهويه قضية ترجمة أعماله الأدبية إلى لغات أخرى أكثر من نشرها في الدول العربية، ترى هل ترجمة الكتاب إلى لغة أخرى تكفي لانتشار الكاتب في الدول الناطقة بتلك اللغة؟ وهل هدف الكاتب أن يصل إلى أبناء وطنه أم لا يهمه من يقرأ نصوصه؟

- لا أعتقد أن مجرد ترجمة الأدب إلى لغات أخرى يحقق انتشار هذا الكاتب أو ذاك، لأن الانتشار لا تحققه الترجمة، بل قيمة الأدب المترجم ( فالمبدعون يكون، حيث لا يوجدون ) فأينما كان المبدع يوجد من خلال نصه، فالفن الحقيقي والإبداع الحقيقي هو الذي يفرض ترجمته، ويفرض وجوده، وليس الكاتب. والعكس بالعكس،من الذين لا يستطيعون الوصول إلى أبناء لغتهم لفقدانهم الثقة بأنفسهم وكتاباتهم فيلجؤون للترجمة ظنا منهم أنهم سيصلون من خلالها فمثل أولئك لا يصلون حتى لو ترجم أدبهم إلى كل لغات العالم.

فالأدب رسالة، والرسالة لابد أن تصل أولا إلى مَنْ تُكتب من أجلهم، ومن لا رسالة له ولا هم في كتابته إلا الظهور خارج انتمائه فأولئك الذين لا يثقون بأنفسهم ولا بأدبهم إن كان ثمة أدب، فيرتدون ثوبا يليق بوهمهم.

- كل مطلع على النصوص الإبداعية الكثيرة على الشبكة يلاحظ أن أغلبها مكتوب بلغة عربية ركيكة يكثر فيها اللحن، لماذا لا يهتم الكتاب بتطوير لغتهم العربية التي يكتبون بها ويكررون نفس الأخطاء على مدار السنين؟

- مثل هذا السؤال كان يمكن أن يوجه إلى أولئك الذين أشرتَ إليهم في سؤالك. فالنص من وجهة نظري أولا وأخيرا هو لغة، واللغة تعبير عن قيمةِ أخلاقيةِ النص، لأنها هي ذات النص، وجسد الروح الفكري الذي ينبض في العمل الإبداعي.
و لعل استسهال النشر على الشبكة العنكبوتية كان دافعا لبعض الكتاب لممارسة الكتابة دون النظر إلى شكل وقيمة ما يكتبون، في ظل غياب التدقيق اللغوي للنص. هذا إلى جانب أن البعض لا يهتم باللغة لأنه يكتب مباشرة بشكل من أشكال ارتجال الكتابة، ويدفعها للنشر خلال دقائق قبل أن يعيد النظر فيها.

وهناك أمر آخر ألاحظه على الشبكة وفي معظم المنتديات أنه لايوجد نقد حقيقي للنص المنشور، بل هناك كمية كبيرة من المجاملات، تجعل صاحب النص المليء بالهنات والأخطاء اللغوية والنحوية والأسلوبية، يدخل في حالة غرور بما يكتب، فيتابع بالمستوى نفسه دون محاولة تطوير ذاته وكتابته إلى الأفضل لا على مستوى الشكل ولا الفنية ولا المضمون.

- خلافات الكتاب والمفكرين والشعراء العرب كثيرة، ترى لماذا يختلف الشعراء، والمفكرون، والأدباء، وعلى ماذا يتصارعون؟

- أيضا هذا السؤال يمكن أن يطرح على أولئك المتصارعين لنعرف ما طبيعة الصراع والخلافات التي يختلفون عليها.
أما أنا فمن الذين يؤمنون بفكرة الجدل والتنافس الفكري والإبداعي الحقيقي البعيد عن الإلغاء والصراع الذي لا يقدم ولايؤخر في الإبداع، لأن الحوار الحقيقي، والتنافس الأخلاقي يساهم في تعبيد درب المعرفة، أما الصراع فهو الفناء، وأنا لا أبارك فكرة الفناء هذه، وبغض النظر عن الحالين، فأنت لم توضح طبيعة الصراع أو الخلافات التي يختلفون عليها، لتكون الإجابة أوضح وأكثر دقة.

وإن كان ثمة خلافات أو صراعات فلا أعتقد أن ثمة إبداع، وإنما هناك أشياء أخرى يتصارعون عليها غير الإبداع.

- ما الذي تحتاجه الساحة الأدبية بشكل عام؟ أين مكمن الخلل؟ من المسؤول عن العلاج؟ هل يكفي انتقاد الحكام والمسؤولين لنرتاح من أعباء واجباتنا؟

- قليل من الكلام، وكثير من العمل، فالخلل يكمن دائما بالطريقة التي يتعامل بها المثقف، أو تُعامل بها الثقافة، والمسؤولية أولا وأخيرا تقع على غياب الغربال في الساحة.

فهناك مبدع وهناك إبداع وهناك متلق وهناك حكم، لذا فالمسؤولية أولا وأخيرا تقع على الغائب.
والأديب الحقيقي حامل رسالة وإذا لم يكن على قدر هذه الرسالة فلا أعتقد أنه سيغير شيئا.
وانتقاد الحكام، وغير الحكام، لا يقدم ولايؤخر بل أعتقد أنه يؤخر التغيير الحقيقي، لأننا سنتلهى بالانتقاد عن الاجتهاد من أجل مشاريع بديلة من مشاريع الهزيمة الموجودة على الساحة.

فإذا لم يكن ثمة مشروع بديل، فكل الانتقاد يدخل في حالة من حالات المجانية، التي تساهم بشكل من الأشكال في تكريس ما نحن عليه، بل وزيادته سوءً.

- كثيرا ما نسمع عن خلافات وانتقادات تصل حد الشتائم عند كل مهرجان أدبي رسمي، حيث تعلو أصوات الاحتجاجات على طريقة توزيع الجوائز، وعلى الفائزين بها، هل أصبح الكتاب العرب مجرد لاهثين وراء الجوائز؟

- من الطبيعي أن يشارك المبدع في المهرجانات، ليقدم صوته، وكذلك من الطبيعي أن يشارك في المسابقات، والجوائز، أما من غير الطبيعي أن تتحول مشاركته في أي مهرجان إلى مسار لا علاقة له بالأدب، وكذلك مشاركته بالجوائز إلى لهاث مستمر، بجدوى أو بدون جدوى، وأعتقد أن الخلافات ناتجة عن طبيعة التكوين الفردي لمن يشاركون، وإلى طبيعة المهرجانات التي يشاركون فيها، وإلى تحول الهدف الحقيقي للمشاركة ـ وهو التواصل مع الناس ـ إلى صراع على نيل جائزة أو لقب أو مكانة ما، ناسين أن الجوائز لا تقدم اعترافا ولا تصنع أدبا ولا إبداعا،إنما هي محاولة ـ بشكلها الطبيعي ـ لتكريم الإبداع، وليس إلى صناعته.

- يقال أن حظوظ النساء من النشر في الصحافة الورقية أكبر من الرجال، هل تؤيدين هذا الزعم؟ ولماذا؟

- لا أعتقد.. فهذا الأمر مبالغ فيه قليلا، و لو بحثنا في نسبة الأصوات النسائية الحقيقية إلى أصوات الرجال لوجدنا أن الأمر طبيعي، ولا علاقة له بالنساء أو الرجال، وإن كان ثمة ظواهر قليلة جدا لكن تلك الظواهر غير قابلة للتعميم، لأنها خارج إطار ما يسمى بالصحافة الحقيقية، أو الأدب الحقيقي.

في النتيجة يجب أن يكون هناك غيرة على الابداع الحقيقي دون أي فرز إن كان صاحب الإبداع امرأة أو رجلا، فالحظ يجب أن يكون لصاحب الإبداع الأجدر رجلا كان أم امرأة.

- شعر النثر، هل أنت راضية عن شعر النثر في الساحة العربية؟ وكيف يمكن ضبط هذا النوع من الشعر، وكل من يكتب عدة أسطر متتالية يسمي نفسه شاعرا؟

- لا أريد الخوض في حديث مكرور على الساحة الإبداعية حول قصيدة النثر ومشروعيتها وحول قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية أو كما يحلو للبعض بتسميتها القصيدة الكلاسيكية، فأنا أقول دائما هناك إبداع في أي شكل كان لأن الشرط الإبداعي لا يحدده الشكل بل تحدده الموهبة، والمقدرة على الخلق.

أما هؤلاء الذين وجدوا سبيلا سهلا لتصنيف خربشاتهم التي لا تصنيف لها، فراحوا يلصقون ذلك بقصيدة النثر، هؤلاء لا علاقة لهم لا بقصيدة النثر، ولا غير النثر، ولا بأي شكل من أشكال الأدب، والتسمية لا تمنحهم جواز مرور إلى صفوف الشعراء والمبدعين، ولا تمنح نصوصهم شكلا إبداعيا حقيقيا، وإن وجدوا من يبارك لهم هذه التجارب، فالفرز الحقيقي للزمن، والمبدع الحقيقي هو الذي يبقى مهما كثر الغثاء، ومهما سيطرت العملة الرديئة على السوق فلن تفقد قيمة العملة الجيدة.

- لو أردت أن ترشحي شاعرا عربيا لخلافة أحمد شوقي فمن ترشحين؟

- لا أعتقد أن ثمة شاعر خليفة لشاعر آخر، ولا أمارة لشاعر إنما الأمارة للشعر عبر كل الأزمان، أما إذا أردت أن أذكر لك شاعرا معاصرا أسس لذاته و لصوته المتميز و كان له وجوده الحقيقي في الشعر، فهناك شاعران محمود درويش و أدونيس، هذان الشاعران استطاعا أن يحفرا في عمق الإبداع العربي صوتين متفردين. كما فعل الشاعر الراحل نزار قباني، فأعتقد أن في الساحة ثلاثة مدارس شعرية مدرسة نزار قباني، ومدرسة أدونيس ومدرسة محمود درويش، وما يميز هذه الأصوات أن أصحابها يقرأون أكثر مما يكتبون، لذلك كان إبداعهم قراءة للذات.. للوجود.. للعالم بعزف منفرد لكل منهم.

- كل جيل على ما نرى يتمرد على الجيل الذي سبقه، هل هذه سنة الحياة؟

- سنَّة الحياة أن يصنع كل جيل ذاته من خلال قراءته تجارب الجيل الذي سبقه لوعيها واستيعابها ولتكون دافعا له في صناعة تجربته هو.
أما التمرد المجاني لمجرد التمرد فهو موضة وليس سنَّة
وإنما التجدد هو سنَّة الحياة التي يجب أن نأخذ بها، دون أن نخلع أنفسنا من جذورنا حتى لا نجف ونيبس.

- ماذا تقرأ بهيجة الآن؟

- أقرأ مسرحية شعرية لأدونيس وهي / تاريخ يتمزق في جسد امرأة / وما أثارني في هذه المسرحية طبيعة الرؤيا التاريخية للمرأة التي يقرأها أدونيس ويعيها.
فأدونيس قارئ متفرد ومخيف للتاريخ، ويدهشني بهذا الوعي.

- هل تحبين سماع القصائد المغناة؟ ما القصيدة التي تطربين لسماع أحد المطربين يغنيها؟

- خاصة إذا اتفق الإبداع الشعري مع الإبداع الموسيقي / أي اللحن / مع الصوت العظيم، لاشك تصبح القصيدة أكثر من قصيدة تتكامل لتخلق حالة من الإبداع الخالد
أطرب كثيرا لسماع رباعيات الخيام أو الأطلال بصوت أم كلثوم، ولنجاة الصغيرة وهي تغني قصائد الشاعر الراحل نزار قباني

- كثير من الكتاب يشكون من قلة الفرص أمامهن، من المسؤول؟

- قلة الفرص أمام المبدع ـ وهنا أركز على كلمة المبدع ـ لها أسبابها المتعلقة بقضايا مختلفة لا علاقة لها ربما بإبداعه وطبيعته ومكانته، بل لها علاقة أحيانا بمواقف هذا المبدع وعدم توافقها مع مَنْ يمنحون الفرص، وبالنتيجة لا أعتقد أن قلة الفرص تعني قلة القيمة لمبدع، ولا كثرتها تعني أنه ذو قيمة كبيرة، ومَنْ يشكون من قلة الفرص هم بالأساس يبحثون عن فرصة للظهور، ولايبحثون عن الإبداع الذي يخلق فرصته، فالإبداع الحقيقي هو الذي يؤمن صاحبه بأن الفرصة الحقيقية ستأتي ولو بعد حين.

- بعض الشعراء أو الأدباء يتعرضون إلى هجوم حاد من بعض القراء نتيجة مواقفهم السياسية، هل نحاكم الإبداعات الأدبية من خلال الموقف السياسي للشاعر أو الأديب؟

- أنا أميّز هنا بين شكلين من المواقف السياسية، الشكل الأول موقف سياسي، يسيء إلى القيم الوطنية والأخلاقية للأمة، وينال من وجودها، وموقف أخر يندرج تحت حرية التعبير للمبدع أي من باب الاختلاف المشروع بالمواقف، في الحالة الأولى يمكن أن أتخذ موقفا من هذا المبدع الذي بادر بالهجوم أما في الحالة الثانية فلا أميل إلى إلغاء من يختلف بالتعبير عن مواقفه السياسية التي لا يتفق عليها الجميع، وفي كلا الحالين يبقى الإبداع بمنأى عن أية محاكمة سوى المحاكمة الفنية وهنا في هذه النقطة أؤمن بمصطلح موت المؤلف. لأن السياسة متغيرة متقلبه والإبداع خالد باق، ولا نستطيع أن نحاكم الإبداع بشروط السياسة.

- لو كتبت قصيدة حب تخاطب حبيبا مجهولا هل يراجعك زوجك أو أقاربك لمن هذه القصيدة؟

- أنا أغار على نصوصي غيرتي على نفسي، وأي اعتداء على نص لي هو اعتداء على حريتي، وكل من حولي يدعم حريتي هذه لأنها تخلد ذاتي في نصي الذي يعني أولا وأخيرا أنااااااااااااااا.

- لو لم تكوني شاعرة ماذا تحبين أن تكوني؟

- لو لم أكن شاعرة لكنت هذا الحلم الذي ولد معي منذ أن وُجدت فصرخة الولادة كانت أول قصيدة لي في كل نص من نصوصي، حتى آخر صرخة عتم.

- الأمسيات الأدبية في الدول العربية جمهورها قليل، ما السبب حسب وجهة نظرك؟

- القضية أصبحت لعبة إعلام، وعدم وجود الإعلام الحقيقي الذي يخدم الحركة الشعرية والأدبية بشكل صحيح، يجعلها غريبة عن الجمهور والجمهور غريب عنها، إضافة إلى أسباب أخرى لها علاقة بطبيعة الشعر الذي يُلقى على المنابر وطبيعة الشعراء المشاركين. فالقضية ليست بهذا التعميم الحاد. ولا بهذا الجواب المقتضب لأن السؤال سيحلنا أيضا لعناصر وجود أو لا وجود الفن الشعري.

- لو اتصلت بك مؤسسة أمريكية وقالت لك لقد رشحناك للفوز بجائزة أدبية قيمة، فما أول رد فعل لك على ذلك؟

- بما أنك قلت مؤسسة أمريكية، فكلمة مؤسسة يعني جهة ربما تكون أهلية، أي ليست حكومية، أو تابعة للحكومة الأمريكية، وهنا أنا أفصل بين الحكومة الأمريكية وسياستها، وبين الشعب الأمريكي، ورغم ذلك فأنا لابد أن أبحث عن دوافع هذا الترشيح، وأبحث في مرجعيات هذه المؤسسة، بعد ذلك أقرر القبول أو أرفضه، وهذه ليست مثالية مني فأنا مؤمنة بما أقوله، وعلى ثقة أنني أرفض هذا الأمر إذا وجدت أية شبهة حول تلك المؤسسة.

- هل تؤمنين بالحوار مع الأعداء؟ أقصد الحوار الثقافي.

- أنا مع الحوار الثقافي إلى أبعد الحدود، فمن خلال الحوار تتضح المعرفة، إذن عليَّ أن أعرف ثقافة هذا العدو، لأدرك طبيعة المواقف التي يمكنني اتخاذها، وكيف لي أن أتجنب مالا أرغب فيه أن يكون.

وأنا مؤمنة بفكرة اعرف عدوك ففي موروثنا الديني وتعاليمنا ما يقترب من هذا الشأن فقد جاء في الحديث الشريف بما معناه، من تعلم لغة قوم أمِنَ شرهم، واللغة هنا بمعنى ثقافة وطبيعة وتفكير هذا العدو. والكلمة أولا وأخيرا سلاحنا للكينونة وإثبات الوجود.

-  كلمة أخيرة لقراء ديوان العرب؟ واقتراحاتك لطاقم التحرير؟

- لقراء ديوان العرب أقول:

أنا فيكم أرى مالا أراهُ
أرى وجهي تعانقه رؤاهُ
أرى سري كمرآة تراني
وفي المرآة تكتبني يداهُ
حروفي منكمُ وبكم تغني
فأنتم إن سعى الحرف الشفاهُ
مسافاتي تعانق منتهاها
بكم يأتي المدى من منتهاهُ
بكم أمضي فينهض بي خلودي
ويحملني إلى الرؤيا مداهُ

شكرا لكل طاقم ديوان العرب على جهودهم الثقافية التي تشكل رافدا حقيقيا للثقافة العربية

في الختام نشكر الشاعرة السورية المتألقة في سماء الشعر والإبداع ونتمنى أن يكون القراء قد استمتعوا بهذا الحوار الشيق


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً