/B_rub>

كانت الانتفاضة تزيد اشتعالا في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينيات، وتستقطب اهتمام العالم لطابعها السلمي، وحجم المشاركة الجماهيرية فيها، فيما كانت إسرائيل تنشط في القضاء عليها، وكان جواسيسها يعملون ليل نهار ومع تصاعد علميات التخريب التي كان يقوم بها الجواسيس فقد اتخذت الحركة الوطنية قرارها بملاحقتهم وضربهم.
لاحظ بعض الشباب المشاركين في الانتفاضة شابا يظهر لهم من بعيد يحمل جهاز إرسال (لاسلكي)، يشبه ذلك المستخدم لدى أجهزة الشرطة والجيش، لم تكن الهواتف النقالة قد ظهرت في فلسطين. تشاور شبان (…)

شهرته فاقت الأوصاف، فإضافة إلى سعة علمه، وخبرته، هو طويل القامة، جميل الشكل، نظراته تدل على ذكاء متقد، بشوش، قامته مستقيمة، عيناه زرقاوان، سبحان الخالق! أشهر طبيب متخصص في أمراض القلب، يعمل مديرا للمستشفى الأهلي، وله عيادة خاصة خارجه، تغص دائما بالمرضى الذين يأتون حسب المواعيد، وإن كان الواحد منهم محظوظا فقد يحظى بدور بعد شهر على الأقل.
«هذا الطبيب أمه أوروبية بالتأكيد، تزوجها أبوه عندما كان يدرس في بلاد الأجانب وعاد بأمه من هناك».
هكذا يقول المرضى عنه. فما إن يظهر لهم بطلته البهية حتى (…)

كان صديقي مهند حزينا عندما التقيته اليوم في مقهى الانشراح، لم يكن كعادته باسما، بل كان وجهه متجهما، كلما نظرت إليه ارتعبت، وقلت في نفسي: «يا ستار، يا رب، لعل مصيبة حلت بمهند»، سألته: ما الذي يحزنك؟ فأجابني: أليس حراما أن يعدم رجل بريء؟ _ بدون تفكير قلت له: بلى. (فماذا يمكن أن يكون الجواب؟) إن كان المتهم بريئا، فمن الجريمة أن يعدم. سألته: لكن من يا ترى ذلك الذي سيعدم هذا اليوم؟ إنسان مسكين، لديه خمسة، أطفال وزوجته وليس لهم معيل غيره. لكني لم أقرأ بالصحف عن متهم سيعدم، فمن هو يا ترى؟ (…)

شعبان ولد صغير، طالب مدرسة شقي لدية الكثير من الأصحاب، عمره ١٢ سنة، ينتمي لعائلة فقيرة. كان يسكن عام 1965 مع أهله في باب السلسلة، في القدس القديمة، وكان يتعلم في المدرسة البكرية التي تقع بالقرب من باب الأسباط وقرب أحد المداخل للمسجد الأقصى المبارك.
لشعبان صديق أقل عمرا منه (١٠ سنوات) يدعى صابر يسكن قريبا من بيته في منطقة تسمى درج الطابون، لها مدخل من الجهة العلوية لباب السلسلة، ويقع في مدخلها مخبز الأمانة المملوك لعائلة سنقرط الذي كان أحد المخابز الرئيسية لسكان القدس. كان صابر طالبا في نفس (…)

في طريقها إلى المدرسة «النظامية» في بيت حنينا بالقدس بينما كانت منال تسير في الطريق الرئيس من بيتها قرب محلات (جنة عدن)، فجأة توقفت سيارة بيضاء اللون بالقرب منها، فتح أحد الجالسين فيها شباك السيارة وناداها باسمها: منال تعالي. خافت منال، وابتعدت قليلا عن الرصيف، فقد تعودت أحيانا على معاكسات بعض الشباب، تجاهلت النداء، لكن صاحب الصور لم يستسلم فناداها للمرة الثانية قائلا: منال تعالي نحن من المخابرات.
كان يتكلم العربية بطلاقة، كأنه من أبناء القدس العرب. _ ازدادت خوفا، نظرت إلى السيارة، فرأت (…)

كان يفاجئها كل صباح في الطريق إلى المدرسة، كأنه على موعد معها. لم تكن فاتنة تعلم أن خليل يتعمد ذلك، وينتظر مرورها من باب العامود ليسير خلفها حتى أول شارع صلاح الدين، حيث يذهب هو إلى المدرسة الرشيدية القريبة من هناك، في حين تواصل هي طريقها إلى المدرسة المأمونية التي تبعد عن مدرسته خمس دقائق سيرا على الأقدام في مدينة القدس.
وكان حريصا عند وداعها في مدخل شارع صلاح الدين أن يرسل إليها ابتسامة خفيفة كعادة عشاق السبعينات من القرن العشرين، ويغمض عينيه لثانيتين ثم يفتحهما كأنه يرسل إليها رسالته (…)
صرخت به صديقته عندما عاد إلى البيت: هل أحضرت الحليب والخبز؟ فرد عليها بغضب: لا لم أشتر شيئا. لا يوجد معي فلوس. ولماذا عدت إذن؟ هل تريد أن ترى الأولاد يموتون؟ أي أب أنت؟ أنت..... قاطعها وقد غلبت إمارات الغضب على وجهه: إن لم تكفي سأحطم رأسك. تحطم رأسي؟ هذا ما فلحت به؟ ماذا تريد مني؟ سكتت لثوان ثم قالت: إن كنت تفكر بذلك الشيء فعليك أن تعيد حساباتك.... غضب (جي بي) وخرج من البيت لاعنا صديقته وذلك اليوم الذي أنجبت له فيه أطفالا. من أين أحضر لها الطعام؟ لا يوجد معي فلوس. الكلاب في قسم المساعدات (…)

أحببته كحبي لوالدي، كنت دائما أنتظر زيارته لنا خصوصا في الأعيادِ والمناسبات، فقد كان يقدم لي عيدية كبيرة كانت في حينه أكبر هدية تقدم إلى طفل من أقاربنا. قرشان كاملان، كانت قطعة واحدة لونها أبيض، متداولة بين الناس في خمسينات وستينات القرن العشرين في الأردن، ويسميها الناس بالقرطة، لذلك كان خالي سعيد أكثر الأخوال والأعمام حظوة عندي، أفرح عندما يزورنا وأنتظر قدومة ثانية بثانية، أستقبله بابتسامة ولا أنسى تقبيل يديه، فقد تعلم الصغار تقبيل أيادي الكبار من الأقارب كتعبير عن الاحترام لسنهم، ومكانتهم (…)
غادرت البيت صباحا في يوم ماطر لا أدري إلى أين. كنت في عطلة في ذلك اليوم. وكعادتي كنت أنام ساعة أو ساعتين إضافيتين. لكنني في ذلك اليوم استيقظت مبكرا على غير عادتي، لا أعرف لماذا، ولا ما الذي أقلقني.
كنت أشق الشوارع شبه الخالية بسيارتي الحمراء، ففي ذلك الوقت المبكر من أيام الآحاد تخلو الشوارع كالعادة من الناس الذين يلزمون بيوتهم بعد أن كانوا قد سهروا حتى ساعة متأخرة من ليلة السبت الفائت.
إنه أحب الأيام لديَّ للتنزه في الشوارع، ففي الأيام الأخرى تكون الشوارع مزدحمة، ويتحول السير فيها إلى (…)

كان وحيدا في زنزانته التي نقلوه إلها في سجن (وسيكا) في ولاية (منسوتا) الأمريكية، عقاباً له لأنه كان نائما عندما جاء السجانون لعدّ السجناء الساعة الرابعة بعد الظهر حيث يجب أن يكون واقفا.
أسبوع كامل مر على وجوده في الزنزانة، لا يعرف متى ينتهي عقابه، لا راديو، ولا تلفزيون، ولا كتاب، ولا جريدة، ولا حتى ورقة، أو قلم، كل ما حصل عليها بطانيتان، واحدة ينام عليها وأخرى يتغطى بها، كان تعبا لكنه لم يكن يعرف كيف ينام، فالنوم على الأرض أتعبه، كسر أطلاعة، لا يرى الشمس، ولا يعرف متى يبدأ النهار، ولا متى (…)