قصة واقعية رغم كل مآسيها، تغيرت فيها الأسماء الحقيقية وبعض التفاصيل الصغيرة
عصام لا يشبه عيزرا
الجمعة ٣٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

حمل عيزرا الميكرفون بيد ومكبر الصوت باليد الأخرى، كان يعتلي مدرعة من مدرعات الجيش الإسرائيلي التي دخلت غربي "قناة السويس"، وبدأ ينادي السكان المصريين وأفراد الجيش المتمركزين هناك بتسليم أنفسهم بعد أن يرموا سلاحهم ويرفعوا أيديهم.
- ايها المصريون..
سلموا أنفسكم، ارموا سلاحكم، كل من يطلق الرصاص علينا سوف يقتل، ارفعوا أيديكم، جيش الدفاع الإسرائيلي، أيها المصريون...
سلموا تسلموا
كانت الدبابات الإسرائيلية تحاصر المناطق السكانية، وتطلق النار العشوائي على السكان، فخرجوا من بيوتهم رافعين العلم الأبيض.
استغرب أحد سكان المنطقة ،للهجة هذا الجندي اليهودي العربية وقال في نفسه:
لعله من اليهود المهاجرين من الدول العربية . يبدو أن لهجته شامية أو قريبة منها، وربما واحد من الدروز العرب الذين يخدمون فى الجيش الإسرائيلي.

لحظات كان الأسرى مربوطي الأيدى للخلف، وموزعين على شكل مجموعات، فجأة اقتربت المدرعة التى فيها عيزرا، توقفت نزل عيزرا يوجه تحذيراته للسكان المصريين الأسرى.
- اسمعوا ياعرب.
عليكم الالتزام بالأوامر ، كل من يتحرك أو يحاول الهرب، سنقتله مفهوم!.

ثم بدء يشتمهم حتى ضحك الضابط المسئول عنه وهز رأسه، دقق أحد المصريين فى صدر عيزرا عندما اقترب منه فشاهد نجمة داوود معلقة بسلسال ذهب فتمتم فى سره.

- هذا اليهودى الحقير يجيد العربية أحسن منا . آه لو أتحكم بك لأشرب من دمك.

انتهت حرب 1973 بوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، ثم بين سوريا وإسرائيل . كانت الصحف الإسرائيلية تنشر بين اليوم والآخر صور مئات المصريين والسوريين، ونشرت فيما نشرته صورة الجندى عيزرا وهو يطالب المصريين بالاستسلام غربى قناة السويس وتسليم أنفسهم لجيش الدفاع الإسرائيلى.

كان توفيق المواطن الفلسطيني، ابن البلدة القديمة في القدس عائدا من عمله في أحد المصانع الإسرائيلية غربي المدينة عندما لاحظ وهو عائد في الباص صورة الجندى عيزرا في صحيفة إسرائيلية كانت بيد مواطن يهودي يقرأها وهو جالس بجانبه. سأل توفيق الجالس بجانبه عن اسم الصحيفة واشترى نسخة منها وهو في طريقه للبيت، ظل طوال الطريق مشغولا يفكر فيمن يكون الجندي عيزرا، هل يمكن أن يكون هو ؟ هل يمكن فعلا أن يكون هو؟.

وصل توفيق البيت حمل الصحيفة وبدأ يدقق فى وجه عيزرا .
- أنه يشبهه كأنه هو . هل فعلا يخلق الله من الشبه أربعين؟.
ولماذا لا يكون هو؟.

لقد انقطعت أخباره منذ 3 سنوات، أبلغنا الشرطة أنه لم يغادر المطار ولا الجسر ولا الميناء البحري ،فأين عساه يكون لكن كيف؟.
كيف اصبح جنديا يهوديا؟ لا أصدق.

لماذا لا أصدق ؟ ألا يمكن أن يكون اليهود قل مسحوا ما في دماغه من معلومات وأقنعوه أنه يهودي ؟ ألا يمكن أنه تعرض لحادث أو اعتداء أفقده ذاكرته؟

لماذا لا تقول يا توفيق إنه هو الذى تطوع فى الجيش الإسرائيلي بسبب ما حصل له.. هل يمكن أن يفكر هكذا..
مستحيل عصام أن يفكر هكذا، أكلما حصل مع الإنسان مصيبة ينحرف بدلا من مواجهتها بصبر.

أي صبر وأي كلام فارغ؟ ما تعرض له عصام فوق كل احتمال.
ما تعرض له جريمة بشعة بحق الإنسانية ما تعرض له كلنا نتحمل مسئوليته، لقد سكتنا، لم نحدد موقفا، لم نعاقب المجرم، كنا أمام نارين لم يكن من السهل علينا إرضاء الطرفين أعترف أننا تخاذلنا، لم نملك الشجاعة الكافية لقول كلمة الحق بصراحة نحن جزء من الجريمة.

ليس هذا المهم الآن ، المهم هل هذا هو ؟.
لاحظت زوجة توفيق انشغال زوجها فاقتربت منه تتفرج على الجريدة .
- ما هذا جريدة عبرية!!.
- أهذا ما ينقصنا؟ نظرت إلى الصورة فسألها .
- هل يشبه هذا الجندى أحد تعرفينه؟
- أنا أعوذ بالله، هذا يهودي ولا يشبه إلا اليهود مثله.
- دققى النظر ألا يشبه عصام أخي.
- لا لا يشبهه، فهذا يحمل نجمة داود على صدره .
فشر ولا يشبه عصام. تشابه الوجه غير متطابق عندما تنظر إلى الصورة فكر بعصام الفلسطيني وليس بعصام الشكل فقط سترى ألف فارق بينهما.
- ماذا أسمع فلسفة وتحليل نفسي؟.
- لا ياحبيبي هذا رأيي، قم وتناول طعام العشاء.

بعد حرب عام 1967 واحتلال إسرائيل لما تبقى من فلسطين، لم يستطع عصام خلال شهور طويلة ايجاد فرصة عمل، فساءت أوضاعه الاقتصادية ،فقرر السفر إلى الكويت حيث وجد له صديق هناك فرصة العمر، العمل بشركة محترمة وبراتب جيد، فسافر إلى الكويت خلال أيام وظل يعمل هناك لمدة عامين دون انقطاع قرر بعدها زيارة زوجته وأهله خلال إجازته السنوية.

حمل حقيبة ملابسه وبعض الهدايا وبعد أيام كان فى باب العامود بعد أن أوصله سائق التاكسي من جسر الملك حسين- المعبر الحدودى بين إسرائيل والأردن.

لم يخبر عصام أحدا بعودته، أراد أن تكون زيارته مفاجئة لأهله.
نزل من التاكسي وطلب من أحد العتالين حمل الحقيبة للبيت سار عصام والعتال خلفه يتأمل باب العامود.
يا الله لم يتغير كثيرا اللهم إلا المدخل، دخل الباب إلى البلدة القديمة.

هذا الباب كنت أدخله وأخرج منه كل يوم، ها أنا أعود إليه.
كم وحشني هذا الباب؟.

ظل عصام يتأمل الناس والشوارع والأزقة حتى وصل البيت.
كانت بيوت البلدة القديمة من الطراز القديم وهى تشبه البيوت الشامية القديمة، حيث يكون البيت واسعا ويتكون من عدة غرف واسعة أحيانا متلاصقة وأحيانا متباعدة تجمع بينهما ساحة كبيرة غالبا للجلوس فى أيام الصيف.

كان يسكن فى هذا البيت والد عصام ووالدته وبقية أفراد الأسرة. كل ولد متزوج له غرفة ومطبخ.
قرع عصام الباب فتح له بعض الأولاد ولما رأوه صاحوا هيه عمي عصام حضر.

طلب منهم السكوت وعدم إزعاج الجيران. سألهم أين جدتهم وجدهم قالوا بأن جدتهم ذهبت للسوق لتشترى بعض الخضار وأن جدهم فى الداخل، وزع عليهم بعض النقود ليشتروا بها بعض الحلويات وقال لهم لا تخبروا أحدا أننى حضرت، أريد مفاجأة جدتكم. شكروه على الفلوس وهزوا رؤوسهم وانصرفوا إلى البقالة القريبة، دفع للعتال أجرته وأخذ الحقيبة منه، اقترب عصام من باب غرفته يريد مفاجأة زوجته مستغربا أنها لم تكن في الساحة الداخلية كعادتها، بدأ يهيأ نفسه للقائها، رتب شعره بيديه، أصلح ثيابه ثم اقترب من الباب خلسة.
فجأة سمع همسا داخل الغرفة، اقترب أكثر وبدأ يتنصت ماذا عساها تقول بدأ يسمع تأوهات رجل فى حالة هياج جنسي لم يصدق أذنيه، هل غيروا الغرف فى غيابى؟ هل يمكن أن تكون هذه غرفة أمي؟ لكن الأولاد قالوا لي لا أحد في البيت سوى أبي . دعني أذهب إلى غرفته.
ذهب عصام لغرفة أبيه، طرق الباب فلم يجب أحد، فتح الباب فلم ير أحدا.

ازدادت شكوكه ذهب لغرفته وطرق الباب بقوة انقطع الصوت من الداخل، وحتى لا يكون قد أخطأ العنوان فقد صاح: أنا عصام، هل يوجد أحد هنا، فجأة فتح الباب، كانت زوجته تبكى:
- الحقني، الله يخليك.

دخل عصام كالمجنون هجم على الرجل العاري في غرفته وبعد أن وضع يديه على رقبته يريد أن يخنقه لاحظ أنه يعرفه ، من..
- أنت، أنت يا خسارة، تفوه عليك
أبي مع زوجتي؟.
حملتك أمانة فخنتها؟
يا سافل، يا منحط، يجب أن تنال جزاءك، بدأ يضرب به فسمعه إخوته الذين سمعوا بخبر وصوله من الأولاد وما إن دخلوا البيت حتى توجهوا للغرفة التى يخرج منها الصراخ فلم يصدقوا أن عصاما يضرب أباه، فرقوا بينهما وبدأوا يسألون ماذا حصل؟.
- هل هذا هو استقبال يا عصام، تضرب أباك؟
- ألا يثير وجوده في غرفتي عريان تساؤلكم وشكوككم؟
- هل تجرأت وجردت أباك من ثيابه؟
- يا كلاب ألم تفهموا بعد؟.
ماذا يعنى وجود أبيكم فى غرفتي بغيابي مع زوجتي عريان ألم تفهموا وحدكم.

خلال نقاشهم وصياحهم كانت رحاب زوجة عصام قد لبست ملابسها وهربت إلى بيت أهلها.
- لا أصدق أبي يعملها، ماذا جرى؟ هل صحيح ما يقوله عصام يا أبي؟ سأل أحد الإخوة
صاح الأب.
- أتضربني لأجل شرموطة؟
- شرموطة يا كلب يا حيوان، سامعين ماذا تقولون .
- طلقها قال له أحد الإخوة، لا نستطيع أن نفعل شيئا سوى مقاطعة أبينا، لا نستطيع قتله، الجرح بالكف.
- زوجتك هي المسئولة أكيد كانت تغرى أباك والشيطان لعب فى رأسه.
- هذا هو الصحيح، الشيطان هو السبب.. قال الأب ثم بدأ يلبس ملابسه.
هز عصام رأسه وقال لهم هذا هو الحل؟ طلاقها؟.
- وهل هناك حل آخر؟ سأل أحد الإخوة.
- نعم هناك قال عصام.
- وما هو؟ سأله توفيق، ما هو الحل الذى يرضيك؟.
- ستسمعون به قريبا، ثم خرج من الغرفة وغادر البيت وسط توسلات إخوته أن يبقى ليروه فهم مشتاقون له.

جلس توفيق كعادته في مقهى (أبو العز) في البلدة القديمة يشرب الشاى ويدخن الشيشه (الأرجيلة)، كان شارد الذهن، تتصارع في رأسه أفكار لا يعرف من أين تأتيه، لا يدرى من أين يبدأ ولا أين ينتهي، كل ما كان يقلقه في تلك اللحظة كثرة مشاركة ابنه في المسيرات الوطنية، كان يخاف أن يصيبه مكروه فهو لا زال صغير السن، والحرب تحتاج لرجال وليس للأطفال. كان ما يقلقه أكثر اعتقال ابن الجيران، أسعد ابن (أبو عبد الله) فهو صديق ابنه الحميم . لابد سيأتون قريبا لاعتقال ابنه فماذا سيفعل؟

وبينما هو غارق في تفكيره في باب المقهى لا يلتفت لما حوله حتى تسمرت عيناه على النصف الأسفل لجندي يهودي بسلاحه الرشاش يقف أمامه مباشرة، دقق النظر جيداً ثم بدأ يرفع نظره إلى الجندي، فرك عينيه ونظر مرة أخرى من؟

- أهو أنت ؟ عيزرا أم عصام؟ أراد أن يعانقه لكنه تمالك نفسه قليلا فكيف يعانق جنديا يهوديا أمام الناس.
- نعم عيزرا .عيزرا يا توفيق، لابد أنك شاهدت الصحف العبرية.
- نعم لكنى لم اصدق، زوجتى قالت هذا لا يشبه عصام .
- لم لا ؟ ألأني أصبحت يهوديا وكفرت عن ذنوبي، أنا اليوم عيزرا بن شمعون.
- أصرت حقا يهودياً؟.
- نعم تعمدت يهودياً أمام رجل دين يهودي فى كنيس رسمي وقد منحوني اسما جديداً وصرت من شعب الله المختار.
- وأهلك وشعبك؟.
- عن أي شعب تتحدث؟ اليهود هم شعبي وأهلي.
- ونحن؟.
- أنتم الذين اخترتم ذلك.
- عصام ما حصل ليس مبرراً لما تقوم به.
- أبوك ارتكب جريمة ... قاطعه توفيق
- وكلنك ترتكب جرائم بحق شعبك وأمتك، أنت ..
- دعك من هذا الكلام الفارغ لا تتهرب من المسئولية .
- مسئولية ماذا؟.
- جريمة أبيك؟.
- وهل أنا المسئول عنها؟.
- كلكم، وفقتم تتفرجون، قلتم لي طلقها، تريدون معاقبتها هي ولم تقولوا شيئا عن أبيكم.
- ماذا كان علينا أن نفعل؟.
- تقتلوه.
- أنت تعرف أن الإنسان لا يستطيع قتل أبيه. إنه أبونا، نعم مجرم لكنه أبونا.
- لن نتفق يا توفيق.
- أيهون عليك العشرة؟.
- ألم تهن عليكم؟ ألم أترك زوجتي أمانة في أعانقكم؟ فماذا فعلتم ..كلاب كلكم شاركتم بالخيانة، كلكم اتفقتم أو ربما غض كل منكم عينيه عما يراه أو يحس به .
- لا زال أمامك فرصة للعودة.
- من قال لك إني أفكر بالعودة لكم؟. لم يعد أحد منكم يهمني فلي الآن عائلتي الجديدة، زوجتي شوشانا وابني دافيد وابنتي راحيل.
- أتزوجت من يهودية؟.
- ومالك تقولها بقرف؟ نعم أنا يهودي وتزوجت من يهودية وأولادي سيكونوا يهوداً.
- ليتك ما عدت يا عصام.
- هل كنت تحب أن أظل مختفيا عنكم؟
- كنت أعتقد أنك ستسأل عن أمك.
- هل طلقها أبوكم؟.
- لا لم يطلقها.
- كيف ترضى أمكم أن تظل في ذمة رجل خان الأمانة واغتصب زوجة ابنه ؟ أليست شريكة فى الجريمة؟
- هل سنصبح أعداء يا عصام؟.
- لا أدري كل ما أعرفه أن الرب سيحرق أباك بالنار.
- ماذا لو أرسلوك يوما لاعتقال أحد منا؟
- سأكون سعيداً بذلك.
- ماذا لو التقينا بحرب؟.
- أطرق رأسه قليلا ثم قال : أتمنى ألا يحدث ذلك.
- ودع عيزرا توفيق ثم أنصرف.

جلس توفيق، يكمل شرب الشاي ويسحب الدخان من الشيشة، اقترب منه أحد رواد المقهى ليسأله ماذا يريد الجندي منك؟.
- كان يناقشني بالحرب والسلام.
- هل تصدق بأنه يشبه أخاك عصام.
- كلا لا شبه بينهما، لم ألاحظ أي شبه بينهما.

ترك توفيق المقهى وذهب للبيت وعندما وصل قال لزوجته.
هل تذكرين يوم تجادلنا حول صورة الجندي عيزرا؟
- وكيف لي أن أنسى؟
- لقد دققت النظر مرة أخرى، كنت صادقة هذه المرة، فقد توصلت إلى نفس النتيجة عصام لا يشبه عيزرا.

التوقيعات: 0
التاريخ الاسم مواقع النسيج مشاركة