الصفحة الأساسيةقصص وسرد
من يكسب الرهان؟؟
الأحد ٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٦
بقلم عادل سالم

كان جميل ينتظر نهاية اليوم كي يكسب الرهان، كان واثقا أنه الرابح في النهاية، فأمام العلم تسقط كل تخاريف الماضي، وقصص التخلف، والسحر والشعوذة.

الوقت عصرا، كان جميل يجلس في غرفته، وأمام حاسوبه يتابع المواقع الاجتماعية، فجأة شعر أن رأسه قد أصبح ثقيلا، ثم تغير شكل يديه، نظر إليهما فلم يصدق أنهما تشبهان يدي كلب، أراد الوقوف فلم يستطيع تغيرت قدماه، أصبح يمشي على أربع، باب الغرفة مفتوح فخرج من غرفته غاضبا، وعندما شاهدته أمه ارتجفت وصاحت:
- بسم الله الرحمان الرحيم، لا إلا إلا الله من أين دخل هذا الكلب البيت؟ يا جميل هل أحضرت كلبا معك يا بني؟

حاول أن يشرح لأمه أنه ليس كلبا فكان صوته يخرج نباحا مضحكا فلا هو بالكلام، ولا هو بالنباح، تمالكت أمه أعصابها بعد هول المفاجأة، نادت عليه في غرفته فلم يرد عليها فها هو أمامها لا أحد في الغرفة.
بعد أن خذلها جميل حملت عصا المكنسة ثم فتحت باب البيت الرئيسي، وأشارت للكلب أن يخرج من البيت، ولحقت به بالعصا كي تطرده، لكنه قاوم فأين يذهب بهذه الحال؟ ضربته ضربا مبرحا، أبكت جميل، رجاها بنباحه أن تتوقف فهو جميل ابنها التي تحب، وعندما فشل قرر مغادرة البيت باكيا.

ألقى نظرة حزينة نحو البيت متألما، ثم هام في الشوارع المحيطة بالبيت لعله يرى أحداً ممن يعرفونه فيتعرف عليه، أو يحن عليه.

في الطريق لمح جاره فنظر إليه، ونبح لعله يعرفه، أو يحن إليه، فما كان من جاره إلا أن ضربه بحجر، أصابه في بطنه فشعر بألم شديد، وصرخ به، تركه وهرب يلعن جاره وكل جيرانه التعساء.
في الشارع الموازي لمح أخته سعاد عائدة من السوق وخلفها شاب يعاكسها، فأسرع نحوها، وهجم على الشاب فهرب وترك سعاد، فلحقها وسار معها يحميها، كان يتحدث معها لكنها لم تكن تفهم ما يقول فلا أحد في بيتها يعرف لغة الكلاب، كانت سعيدة ومستغربة في آن أن كلبا يسير معها يحميها. بعض الكلاب أكثر أمانا من البشر. فقد أنقذها من معاكسات الشباب، وعندما وصلت البيت حاول الدخول معها فمنعته، وأغلقت الباب بعد أن تركته خارجه.
حتى أنت يا سعاد!!

عاد يتسكع في الشوارع، تابع سيره حتى وجد شجرة في الطريق فجلس تحتها يراقب المارة الذين كان معظمهم يتحاشون الاقتراب منه، آه لو يعرفون أنه إنسان وليس كلبا.

بعد لحظات اقترب أب وابنه، فركض الابن نحو جميل، وحياه، ثم بدأ يداعبه، شعر جميل بحنان هذا الطفل ورفع يده يسلم عليه، جفف الطفل دموع جميل وقال لوالده:

أول مرة أرى كلبا يبكي كالبشر!
هز جميل رأسه، وأخرج صوتا غريبا، حن الطفل على الكلب، فسأل والده:
- هل أستطيع اصطحاب هذا الكلب إلى البيت؟

ما أن سمع جميل ذلك حتى هرب فهو لا يريد أن يصبح أسير بيت أحد الناس، يريد أن يعود لبيته، يريد أن يعود لغرفته، اللعنة على عفاش الساحر.

ها هو جميل يهذي وهو يسير من شارع لآخر:
ليتني أعثر عليه لأريح الناس منه.
نجح عفاش، نعم نجح في أن حولني كلبا، وفشلت أنا، هو ساحر فعلا، له علاقة بالجن، يبدو أنه أقوى من العلم، ومن قوانين الطبيعة التي كنت أومن بها، ليتني لم أراهنه، ليتني لم أتحداه.
كنت دوما أسخر منه ومن سحره، وعندما هددني أن يحولني كلبا تحديته أن يفعل ذلك، لقد أنذرني أنه إن فعل ذلك فلن يستطيع إعادتي لوضعي السابق، فقبلت التحدي.
كنت على وشك أن أعود عن رهاني، اتصلت به في الصباح فلم يرد، كان هاتفه مغلقا لعله تعمد ذلك كي ينتقم مني لأنني كنت أسخر من سحره أمام كل الناس، اللعنة، ما العمل الآن؟ هل سأظل أسير هكذا بالشوارع؟

في منتصف الليل كان جميل أمام بيته، ذهب أسفل غرفة والديه وبدأ ينبح بصوت عال فأيقظ والديه وجيرانه. فتح والده نافذة غرفته وما أن رآه جميل حتى زاد في نباحه، وبدأ يقفز كالبهلوان، استغرب والد جميل ذلك، بعد ثوان تحرك جميل نحو باب البيت وبدأ ينبح أمامه ويحاول أن يطرق الباب لكن يده كانت خفيفة عليه، فقفز بالهواء قفزة عالية لا يدري كيف وضرب جرس البيت، فجأة فتح الباب وكان والده يحمل بيده سيفا، إنه السيف الذي كان معلقا في غرفة الصالون، توقف جميل عن النباح وجلس على الأرض، ينظر إلى عيني والده ينتظر منه أن يعرفه أو يشفق عليه، كان والده يرفع السيف عاليا يريد أن يضربه به لكن عندما رآه قد جلس وتوقف عن النباح، تراجع في اللحظات الأخيرة.
ثم بدأ يتحدث مع الكلب بلغة الإشارة طالبا منه الذهاب، مهددا بالسيف إن عاد.

بدأ جميل يتساءل:
هل فشلت في مهمتي؟ ترى ألم يفتقدوني؟ ألم يبلغوا الشرطة عن اختفائي المفاجئ؟

استمر في هذيانه، حتى الصباح، لم ينم ولا ثانية واحدة، تابع سيره للشوارع الرئيسية وسط الحجارة التي تنهال عليه بين الحين، والآخر. بلد لا تحترم الإنسان فكيف تحترم الكلاب؟

سار جائعا لم يأكل شيئا منذ عصر الأمس، رافضا أن يتناول طعامه من حاويات الزبالة التي يمر بها، مع أنه كان يرى فيها بشرا يبحثون عن لقمة عيشهم هناك، كان متعبا مرهقا حتى لمح فجأة الساحر عفاش.
تملكه الغضب، اهتز كل جسمه، حرك أنيابة ليتأكد أنها سليمة فعلا، حرك رأسه، احمرت عيناه، أخرج لسانه، بدأ بالنباح ثم أسرع نحو عفاش وعندما اقترب منه قفز باتجاهه كالأسد الجسور وغرز أنيابه في يده اليمنى، صرخ عفاش وطلب من المارة النجدة، حاول المارة نجدته بإبعاد الكلب عنه لكنهم فشلوا فقد وضع جميل كل قوته الجديدة في فكيه، وحوّل يد عفاش إلى قطع من اللحم المتناثر حتى وصلت أنيابه للعظم، سقط عفاش على الأرض، وزاد عدد الذين يهاجمون الكلب. استخدم بعضهم العصي، والحجارة، والركل بالأرجل، حتى تهشم رأس جميل وجرح في أكثر من مكان وعندما زادت جروحه، ترك يد عفاش محاولا الهرب لكنه فشل فقد أثخنته الجراح فسقط على الأرض بين الحياة والموت كان صوته يوحي أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فجأة اقترب منه مواطن يحمل مسدسا فأطلق عليه النار. صرخ جميل صرخة قوية هزت المكان.

فتح جميل عينيه فلم يصدق، جال ببصره يمينا وشمالا، فوجد نفسه على السرير وحوله والداه وأخته سعاد، شعر بالسعادة، تساءل:
هل أنقذوه في اللحظة الأخيرة؟ هل تعرفوا عليه؟ نظر إلى يديه، إنها يدا إنسان، كانت أمه تضع يدها على رأسه تقرأ آية الكرسي، فيما أبوه ينظر إليه مشفقا ويسأله: هل أنت بخير يا حبيبي؟
تأخر في إجابته، فهو في حيرة، هل تحول ثانية لإنسان؟ هل هذا أبوه الذي طرده بالسيف؟ هل هذه أمه التي طردته بالمكنسة؟
سألهم:
هل أنا حي حقيقة؟
قالت أمه:
- بسم الله الرحمان الرحيم، طبعا أنت حي، هل حصل لك مكروه ما هذا الذي كنت تهذيه وأنت نائم؟
- نائم؟ هل كنت نائما؟ كم يوما مر على نومي؟
- منذ ساعة فقط كنت تجلس أمام الحاسوب فسهوت وبدأت تهذي وتصرخ فنقلناك إلى السرير.
- الحمد لله. إذن كسبت الرهان.
- أي رهان؟ سألوه جميعا بصوت واحد.
- لهذه قصة طويلة سأشرحها لكم.
ابتسم أبوه وقال له:
- يبدو أن صديقك الذي تراهنت معه كسب الرهان أيضا
- كيف؟
- لأنه وتر أعصابك، وجعلك تقلق، وتصرخ وأنت نائم
- لكن ليس له علاقة بذلك، أنا الذي وترت أعصابي
- حسنا لكن هو الذي جعلك تشك فيما تؤمن به، فتوترت أعصابك
لو كنت واثقا جدا مما تقول لم يحصل معك ما حصل اليوم.
- إذن من الذي كسب الرهان؟


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً