الصفحة الأساسيةقصص وسرد
أنا آسف لأني
الخميس ٧ أيار (مايو) ٢٠١٥
بقلم عادل سالم

وقفت السيارة بعد منتصف الليل في شارع يكاد يكون مظلما، ترجلت منه فتاة في العشرين من عمرها تسير باتجاه بيتها القريب بثقتها المعهودة، فهذا شارعها، وتلك حارتها التي تعرف كل بيت فيها.
تركتها السيارة وغادرت بسرعة، وقبل أن تقترب وداد من باب العمارة التي تسكن فيها سمعت وقع أقدام خلفها فأدارت وجهها لتتبين من يسير خلفها علها تعرفه، لكنها فوجئت أن لا أحد خلفها وأن وقع الأقدام قد اختفى.

تابعت السير فعاد صوت الأقدام التي تلاحقها من جديد فأصابها القلق وخشيت أن يكون بعض المتسكعين بالليل المارين من حارة أخرى يلاحقونها، أسرعت المشي، فتزايدت وقع الأقدام خلفها، استدارت مرة أخرى لتقتل خوفها وتستعيد ثقتها بنفسها فلم تجد شيئا، فارتبكت وأصيبت بحالة من الذعر.
أكملت سيرها فإذا بصوت يخترق أذنيها:
ودااااااد
من الذي يناديها بهذا الوقت من الليل؟ نظرت إلى الأعلى عله صوتا قادما من أحد نوافذ العمارة القريبة فلم تر أحدا، كل الشبابيك مغلقة.

أيام السهر على الشبابيك ولى منذ زمن، سيطرت أجهزة الهاتف الذكية على عقول الجميع وأصبح كل فرد في الأسرة منشغلا بهاتفه غير آبه بمن يجلس أمامه، فكيف بمن يسير بالشارع؟!

احمر وجهها وقررت أن تركض بكامل طاقتها قبل أن يداهمها الغريب الذي يلاحقها، لكنْ حذاؤها العالي يمنعها من الجري فماذا تفعل؟

لا وقت للتفكير، فجأة خلعت حذاءها بسرعة، حملته وأطلقت رجليها تسابق الريح، لم تعد تفكر بشيء، وقع الأقدام تلاحقها بالسرعة نفسها، وصلت باب العمارة فتحته بسرعة، وعندما اقتربت من المصعد كي تنتقل للدور الثالث حيث تقيم كان المصعد في الطابق السادس، وعليها أن تنتظره بعض الوقت لكن الخوف أربكها فصعدت الدرج وكانت تقفز كل درجتين معا رغم الظلام الذي يخيم داخل درج العمارة، ظلام دامس فجأة شقه نور يشبه نور المصباح انطلق من خلفها كأنه يلاحقها مع من يلاحقونها، وعندما اقتربت من الطابق الثاني كان قد أنهكها التعب، صوت الأقدام التي تلاحقها لم تتوقف يبدو أنه خلفها تماما لكنها غير قادرة على أن تضيع وقتها كي تراه، ظلت تكافح حتى وصلت باب بيتها، لا تريد أن تدق الباب كي لا تزعج والدها الذي ينام مبكرا لأنه يصحو عند الفجر ليذهب للشغل، ففتحت حقيبتها تبحث عن مفتاح البيت، فلم تجده، زادها ذلك ارتباكا.

- أين المفتاح، يا ربي؟ اللعنة على كل المفاتيح …..
وأخيرا اقتربت يدها من قفل الباب فسقط المفتاح من يدها.
صاحت بصوت خافت:
هل هذا وقته؟
التقطت المفتاح من الأرض، اقتربت يدها من الباب، أدخلت المفتاح في قفل الباب، وقبل أن تحاول تحريكه شعرت بيدين قويتين على كتفيها، لم تعد تقوى على الحركة، الرعب دب في كل جسمها وتملك عقلها، اصطكت أسنانها، كأنها فريسة وقعت بين فكي أسد، أرادت أن تصرخ لكن صوتها خانها كأنه خاف لخوفها ولم يعد قادرا على الحركة، فسقطت على الأرض مغشيا عليها غائبة عن الوعي تماما.

في الصباح استيقظت لتجد نفسها على السرير، هل كانت تحلم؟
نظرت حولها لتجد والديها وأختها الصغرى وأخوها الكبير يقفون أمامها والحزن يملأ قلوبهم.
لحظات ثم أدركت أنها في المستشفى، اقتربت منها أمها تقبلها وتحمد الله أنها سالمة، هل ستسألها أين تأخرت ليلة أمس؟
ولماذا عدت وحدك في وقت متأخر؟
ماذا حدث؟
سألها أبوها
حاولت أن تشرح لهم فتعثرت الكلمات وبقيت في فمها، وضعت أمها يدها على رأسها وقالت لها:
لا تقلقي يا وداد، أنت بخير، نريد أن نعرف فقط ماذا حصل معك أمام البيت؟
الكلمات تجمدت كأنها كلمات أحمد شوقي التي تعطلت في بعلبك لبنان عندما خاطبت عيناه عينيها.
اقترب منها أخوها وهمس في أذنها:
الحمد لله على السلامة
كان أشرف حزينا على أخته يعتصره الألم. قالت أمها:
وداد بلغينا عما حصل الله يخليك؟
كانت تحرك شفتيها لكن لا صوت يخرج منها، ذهلت الأم وبدأت تبكي فيما أسرع أخوها ينادي الطبيب المناوب ويشرح له الأمر.

وداد فقدت صوتها لم تعد الأحبال الصوتية قادرة على إرسال أي صوت لم يعد لأفكارها أي صدى، كانت كئيبة حزينة تنظر إليها فتحزن لحالها.
أخبرهم الدكتور أنها صدمة عصبية وسوف تزول آثارها مع الوقت.

لزمت وداد البيت، كانت تجلس وحيدة في غرفتها، لم تعد تذهب للعمل، لم تعد ترد على الهاتف، حتى الفيسبوك لم يعد يثيرها ولم تعد تتابع تعليقات زميلاتها اللواتي كن يسألن عنها كل يوم.

في الغرفة الأخرى الملاصقة لغرفتها كان أخوها يجلس باكيا كل ليلة يضرب نفسه.
كلما رآها قال لها سامحيني أنا السبب!!
لكنها كانت تشير له بيدها وتمتم دون أن يفهمها أحد، كان يدقق النظر في عينيها يريد كل مرة أن يقول لها شيئا لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة.
في أحد المرات اقتحم عليها غرفتها، أغلق الباب جيدا وطلب منها أن يحدثها في أمر هام.
جلست تنصت، صامتة لم تحرك شفتيها ولو ببسمة، الصمت أحيانا أبلغ من أي كلام.
قال لها:
وداد…. أنا (صمت قليلا)، نادم عما حصل،
عاد يشاركها الصمت يبحث عن أحرف مناسبة يشكل بها كلامه الذي يخشى ردة فعلها عليه، بل يخشى ردة فعل أهله عليه، كان محتارا هل يكمل ما جاء لأجله؟ أم يغير الموضوع ويبقيه طي الكتمان، فلا أحد يعرف سره؟
نظرت إليه كأنها تسأله أن يكمل حديثه الهام الذي أغلق الباب كي يقوله لها.
كانت عيناها، تدغدعان ضميره الحي، وشفتاها تجره للحديث جرا، كلا لا يمكنه أن يبقي هذا السر حبيسا في ثنايا عقله، لقد حان وقته، كأن الأسرار كالمولود الجديد حين يأتي المخاض لا بد أن تخرج من رحم العقول، لتبدأ حياة جديدة، حياة النور والمعرفة.
أريد أن أعترف لك بشيء أرجو أن تسامحيني عليه. هل تعدينيي بذلك؟
يريد أن يضمن الصفح قبل أن يعترف بجريمته، هكذا كان المذنب يفعل عندما يقف أمام حضرة الوالي أو الأمير فعندما كان يسأله:
قل ما عندك يا رجل فيرد عليه قائلا:
اعطني الأمان يا أمير
هكذا إذن يريدها أن تصفح عنه دون أن تعرف فحوى حديثه، استغربت سؤاله، تريد أن تسأله: (عم تصفح عنه؟) لكنها عاجزة عن الحديث، كانت تفكر بحركة أو إشارة ترد بها عليه، فسبقها بأن قدم لها ورقة وقلما لتكتب ردها عليه. كرر سؤاله لها:
هل تصفحين عني؟
على ماذا أصفح عنك؟ كتبت على الورقة.
على ما سأعترف به لك.
استغربت جوابه، حاولت أن تتذكر شيئا أساء به إليها لكن يبدو أن ذاكرتها لم تساعدها، فهو أخوها الذي ساعدها، يكفي أنه هو الذي نجدها ليلة الحادث الأليم، واتصل بالإسعاف ثم فتح الباب وأخبر الأهل، لولاه ربما لاعتدى عليها ذلك الشبح.
كتبت له بلا تردد وقد ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها:
قل ولك مني الأمان تم أتبعتها بضحكة بدون صوت، يا لهذه الضحكة الصامتة!! مخيفة جدا فهي أشبه بفلم صامت إن لم تدقق النظر في الصورة لن تفهم الحدث.

كانت الأم مشغولة في المطبخ تعد العشاء، بينما الأب يتابع مسلسلا تلفزيونيا وحده، وابنتهما الأخرى تتابع في غرفتها الفيسبوك.
فجأة سمعوا صرخة مدوية هزت البيت.
يا حماااااار
ركضت الأم نحو الغرفة، كان الباب مغلقا فطرقته بقوة فانطلق أشرف يفتح الباب بعد أن قال لوداد:
وداد لقد وعدتني
دخلت الأم ولحقها الجميع لتسأل:
ماذا حصل؟ هذا صوت وداد هل عادت تحكي؟

هجمت وداد على أمها وألقت بنفسها عليها وهي تنتحب بصوت مسموع أنعش الجميع.
لأول مرة يصبح صوت البكاء مفرحا

ما هذا الصراخ يا أشرف؟ ماذا حصل؟ ماذا فعلت معها؟
قال أشرف: أنا حاولت أن …
توقفت وداد عن البكاء رفعت رأسها عن صدر أمها وقالت:
لا شيء يا أمي لا شيء، كان يدربني على استعادة صوتي.

بعد أسبوع كانت وداد تتابع فلما قصيرا من أفلام الكاميرا الخفية عبر هاتفها الذكي، كانت تضحك بقوة كادت تقطع أنفاسها.


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً