الصفحة الأساسيةفي ظلال الياسمين
في حوار مع المؤرخ الفلسطيني الدكتور جوني منصور
تنازل السلطة ومنظمة التحرير عن فلسطينيي ٤٨ مرفوض وغير معقول
الثلاثاء ١١ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٢
بقلم عادل سالم

ولد بعد نكبة فلسطين بإثني عشر عاما، في قلب فلسطين على قمة جبل الكرمل في حيفا.
البحر من أمامه وجبال فلسطين من ورائه، تربى وعاش فيها صامدا مع أهله ومن تبقى من أهل حيفا العرب بعد قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي. عانى بطش الاحتلال وعنصريته، ومحاولته تهجير من تبقى من وطنهم المقدس. فانخرط منذ كان تلميذا في معارك الدفاع عن شعبنا الفلسطيني في الداخل، وعندما أنهى دراسته التحق بالجامعة في روسيا حيث حصل على الدكتوراة في التاريخ ليكون أحد المؤرخين الفلسطينيين الذين يدافعون عن القضية، ويؤرخون لها.

أصدر العديد من المؤلفات زادت عن عشرين عاما، يعد موسوعة تاريخية وفكرية في تاريخ فلسطين، وعندما التقيت به في حيفا في أواسط ٢٠١٢ استقبلنا بترحاب ووجه بشوش وقادنا إلى أزقة وحارات حيفا ليشرح لنا عن تاريخ المدينة ومعالمها التاريخية فأحيا في ذاكرتنا تاريخ فلسطين من جديد.

الدكتور جوني منصور أحد كتاب ديوان العرب، مبدع بالتاريخ، بحر من العلم، والثقافة وموسوعة لا تنضب.

أجرينا معه هذا الحوار القصير نطلع قرائنا على بعض ما يجول في خاطره.

- إسرائيل تحاول أن تطمس الفلسطيني في شتى مناحي الحياة، تاريخيا، ثقافيا، تراثيا، أدبيا..إلخ تريد أن تمحوه من المكان والزمان، كمؤرخ فلسطيني ما الذي تهتم بتأريخه؟

  • أول ما اهتم به هو الانسان الفلسطيني، فالانسان الفلسطيني بنى واقام حضارة ضاربة في جذور التاريخ بكونه من صلب هذه المنطقة. ثم يأتي بعد ذلك باقي النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وتحديدا، لي اهتمام واسع بجودة الحياة التي سعى الفلسطيني خلال القرن العشرين غلى بنائها لنفسه. وقد يكون هذا المفهوم غريبا نوعا ما عن الكتابة التاريخية، إلا أنه جدير بالانتباه. الفلسطيني اهتم على مدى العقود الخمسة الأولى وحتى وقوع النكبة في تطوير قدراته الانتاجية والفكرية والعمرانية والثقافية والاجتماعية مستفيدا من الأجواء التي كان يعيش وسطها سواء عملت لصالحه أو ضده، فالفلسطيني مكافح ومناضل ويملك بوصلة حياة. ألا يفكرن احد ان الفلسطيني كان مستريحا وهامشيا، بالعكس، عمل بكل الامكانات على بناء ذاته وعلى بناء محيطه ومجتمعه. من هذا المنطلق أرى أنه من الضروري دراسة مساهمات الفلسطينيين في بناء وطنهم حتى العام 1948، لأنه بعد هذا العام فرضت الظروف توجهات أخرى في حياة الفلسطيني وأهمها صراع البقاء.

- في كل مرة يتم الحديث عن الفلسطينيين في أراضي ١٩٤٨ يقال بأن لهم وضعا خاصا، أما زالت هذه المقولة صالحة حتى اليوم؟ أم أن المسؤولين الفلسطينيين يتهربون من واجباتهم تجاهكم بهذا الشعار؟

  • طبيعة الحال ان فلسطينيي 1948 لهم وضعية خاصة. أولا من الناحية القانونية هم يعتبرون في العرف القانوني مواطنين في دولة اسرائيل، وثانيا هم ليسوا يهودا، اي هم فلسطينيون (مع ان المؤسسة الاسرائيلية لا تعترف بهم رسميا بهذا التعريف أو بهذه الصفة، بل تتعامل معهم من مفهوم كونهم غير يهود)، وثالثا أن الفلسطينيين في 1948 يعتبرون أنفسهم او يعرفون انفسهم فلسطينيين. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، ومنذ اتفاقية اوسلو تم تنازل منظمة التحرير الفلسطينية أو بهيئة السلطة الفلسطينية عن قضية فلسطينيين 1948. اي تدبروا اموركم مع دولتكم اسرائيل!! هذا هو التناقض الكبير في قضية فلسطينيين 1948، فمن جهة هم يعرفون انفسهم فلسطينيين، ومن جهة أخرى اسرائيل لا تتعامل معهم كمواطنين كاملي الحقوق، ومن جهة ثالثة السلطة والمنظمة تنازلتا عن هذا الجزء الهام من مركبات الشعب العربي الفلسطيني. هذه هي الخصوصية الماثلة امامنا في هذه الأيام. فلسطينيو 1948 يستطيعون تدبر امورهم لوحدهم، وانا أؤكد لك ذلك وبثقة كبيرة، ويمكنهم مقارعة المؤسسة الاسرائيلية بكل الوسائل المتاحة قانونيا ودوليا واجتماعيا وسياسيا، ولكن ان يتنازل قياديو المنظمة والسلطة عن فلسطينيي 1948 بجرة قلم! والله مش معقول، بل مرفوض.

- إسرائيل تقوم بتغيير معالم فلسطين التاريخية منذ ١٩٤٨ حتى اليوم هل نجح الفلسطينيون في تأريخ قضيتهم؟

  • إسرائيل ماضية في مخططها الهادف إلى إبادة المعالم المادية، أي العمرانية التي تخص التراث والحضارة والتاريخ الفلسطيني. مشروعها أو مخططها لم يتوقف إلى ألآن. حيث دمرت 531 قرية ومدينة فلسطينية، بعد أن هجرت ورحلت أهاليها وأصحابها الأصلانيين عنها وحولتهم إلى لاجئين فاقدي الملك والأرض. واسرائيل مستمرة في تدمير ما تبقى من مبان كالمساجد والكنائس والمقابر، عدد كبير منها تم مسحه عن وجه الأرض(مثال على ذلك وليس للحصر، كل قرى قضاء الرملة أبيدت عن بكرة أبيها بالكامل). هناك محاولات جادة من قبل مؤسسات وجمعيات أهلية فلسطينية في 1948 للدفاع عن الأراضي والاملاك المتبقية في حيفا ويافا وطبريا وصفد وبيسان وبئر السبع والرملة واللد. ترفع قضايا إلى المحاكم العليا في اسرائيل، احيانا يكون النجاح حليف الفلسطينيين وأحيانا كثيرة لا يكون، إذ ان المحاكم في اسرائيل اثبتت أنها منحازة. هناك بعض النجاحات في انقاذ بعض المعالم، مثل مسجد حسن بيك في يافا، ومقبرة بلد الشيخ حيث ضريح الشهيد الشيخ عز الدين القسام، حيث الغيت مشاريع هدم وبناء اسرائيلية مكان هذه المعالم التي تخص التراث والتاريخ الفلسطيني. ما نحن بحاجة إليه هو مزيد من الضغط الفلسطيني العام والعربي في البلاد العربية وفي المحافل الدولية للحفاظ على ما تبقى ليكون شاهدا على الوجود الفلسطيني. وهنا يوجد قصور فلسطيني وعربي عام تجاه هذه القضية، ويكفينا مثال صارخ على ذلك أنه لم يجر تجنيد العالم العربي والاسلامي في قضية المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس التي تتعرض يوميا إلى اعتداءات وأعمال تغيير.

- هل يشعر كتاب الداخل الفلسطيني أنهم مهمشون من قبل بقية أبناء شعبهم في الضفة وغزة والشتات الفلسطيني؟

  • في هذا الموضوع حصريا أستطيع القول أنه يوجد تواصل بمساحات انسانية ومؤسساتية متفاوتة. ولكن يبدو ان الشأن الثقافي أبقي عليه ليكون حلقة وصل وربط بين طرفي الوطن المقسوم. أي ان الثقافة الفلسطينية عبر شطري الخط الأخضر مشتركة لكل منها همومها، ولكن هناك كثير من النشاطات والتعاون بين الشطرين.

‫-‬ هل زرت الدول العربية وشاركت في نشاطات بخصوص القضية الفلسطينية؟ وإن كان الجواب نعم: كيف لمست تعاطي الدول العربية مع القضية الفلسطينية؟؟

  • لقد قمت بزيارة مصر والأردن. وزياراتي للأردن متكررة. هناك تفهم كبير وواسع من قبل الأخوة العرب لخصوصية الحالة الفلسطينية في الداخل. ولهذا، يدعى كثيرون للمشاركة في ندوات وأيام دراسية. شاركت في العشرات منها سواء في عمان أو القاهرة على مدى العقدين الأخيرين. واعتقد أن هناك تفهم للقضية الفلسطينية على الصعيد الاكاديمي والجامعي وفي محافل ونخب المثقفين. فالامتعاض بائن وظاهر من نهج القيادات الفلسطينية والعربية تجاه القضية وما يرشح عنها. ألمس في كل مرة التقي فيها زملاء واصدقاء ان العلاقات بيننا قوية وعميقة، أحيانا كثيرة تتعدى الخطوط التي يرسمها مؤتمر هنا وندوة هناك، لتتحول إلى صداقة أساسها الاحترام المتبادل والتعاون لمشترك في مشاريع بحثية. ولكن لمست الحاجة الماسة إلى ضرورة تعميق التعاون في أبحاث مشتركة ترقى غلى الأكاديمية الصرفة والتي تؤثر على صناع القرار سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو حتى التربوي المشترك، فهموم العالم العربي عامة مشتركة ومن الضروري تبادل الخبرات بشأنها.

‫-‬ كيف تقيم دراسات البروفيسور وليد الخالدي عن القضية الفلسطينية؟

  • دراساته رصينة وساهمت في إثراء المكتبة العربية عامة والفلسطينية خاصة. عملية جمع المواد والمعلومات حول حدث النكبة ليست سهلة، وانا أواجهها يوميا من خلال عملي ودوري في الداخل. ثم تثبيتها عبر نصوص تاريخية هي في حد ذاتها ثروة هائلة تدحض مزاعم ناكري النكبة من صهيونيين وغيرهم. بمعنى آخر أن الحاجة ليست فقط للمعرفة الفلسطينية وهذا جانب مهم، بل لمقارعة الآخرين .

‫- تطبيع بعض العرب رسميا وشعبيا مع إسرائيل هل أفادكم أم ضركم؟‬

  • أنا شخصيا لست مع التطبيع مطلقا على الصعيد الرسمي في الأساس، لأنه يجب عدم تقديم هدية إلى اسرائيل على فعلتها مع الأمة العربية عامة ومع الشعب الفلسطيني خاصة. ثم على الصعيد الشعبي اعتقد أنه موضوع آخر، إذ أن زيارات الأقارب ولقاء ابناء الشعب الواحد، هو اقل ما يمكن فعله إنسانيا في ظل الظروف الراهنة من مراوحة القضية مكانها.
التطبيع الرسمي مضر، لأن اسرائيل تجنده لصالح أجندتها السياسية لتظهر للعالم أنها دولة طبيعية، وهي ليست كذلك، ولتظهر أن العرب هم المسئولون عما جرى، وها هم قد تراجعوا عن مقاطعتها. أكرر جملتي انه على العرب عدم التطبيع مطلقا مع اسرائيل رسميا، كي لا تحظى اسرائيل بدعم دولي على حساب كرم العرب!

PNG

- كمؤرخ فلسطيني هل لك اتصال مع مؤرخين فلسطينيين آخرين تتعاون معهم من أجل في مشروع حفظ التاريخ الفلسطيني أم أن كل مجموعة تنشط بشكل مستقل عن الأخرى؟

  • طبعا لي اتصالات وتواصل مع مؤرخين فلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة ومع عرب أيضا. قليلة هي مشاريع التعاون، وهذا ما أطالب به من خلال هذه المقابلة. هناك ضرورة ماسة بل ملحة إلى تعاون المؤرخين الفلسطينيين لتبادل الخبرات أولا، ولوضع أسس مشتركة للكتابة التاريخية التي تخص التاريخ الفلسطيني والقضية الفلسطينية ثانيا. الهدف هنا ليس الكتابة بعينها، بقدر ما هو وضع أسس مشتركة ومتفاهم عليها بخصوص التاريخ الفلسطيني. مثال على ذلك كي لا يبقى كلامنا في باب التنظير: هناك حاجة إلى وضع كتاب تاريخ موحد للتاريخ الفلسطيني، لا أقصد كتاب تدريس التاريخ في المدارس، وهذا جيد أن يكون، بل التاريخ الذي يجب ان يعرفه كل فلسطيني، فإذا تشكلت لجنة من مؤرخين فلسطينيين تقوم بهذه المهمة، اعتقد أنها ستحقق نجاحا. وهناك أيضا حاجة إلى تفاهم كبير حول تعريف مجموعة من المفاهيم والمصطلحات التي تخص التاريخ الفلسطيني، كي يكون نص موحد بل خطاب ثقافي موحد يجمع الفلسطينيين في كل مكان.

وأنا اود أن أقول لك، ما نحتاج إليه هو ثقافة العمل الجماعي أو لنقل الأمر بصورة أدق عمل في مجموعات هدفية تسعى إلى تحقيق غاية معينة، ليس فقط في حقل الكتابة التاريخية بل في حقول أخرى غيرها.

- هل تتعرضون لمضايقات إسرائيلية في عملكم؟ هل تحاول إسرائيل أن تغريكم بترويج سياستها؟

  • هناك مضايقات يوميا على صعيد القضايا اليومية، وهناك قضايا عالقة ومستمرة كمصادرة الأراضي وسياسات التمييز في الوظائف والتعليم والميزانيات وسواها. لا شك في أن المؤسسة الاسرائيلية تسعى بكل جهدها إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وإبعاده عن حضارته وثقافته وفرض الاسرلة عليه وفق مقاييس تضعها اسرائيل لهذا المجتمع تختلف عن المقاييس التي تضعها لمجتمعها اليهودي. بمعنى آخر، أنها تتعامل بمكيالين مع مواطنيها، أليس هذا طبيعة اسرائيل وهدف وجودها؟ على أرض الواقع، هناك من يتأثر بما تفرضه اسرائيل وبعضهم تأسرل لما له من مصالح اقتصادية ضيقة باعتقادي، وهناك من يقفون وجها منيعا في مواجهة سياسات اسرائيل الاغرائية وتفرض ما لديها من مواقف مشرفة، ولكنهم يتعرضون إلى سياسات التضييق كما هو الحال مع عدد من الجمعيات والمؤسسات الأهلية. على كل حال، هذه اللعبة هي جزء من مكونات الامبريالية – الاستعمارية. السؤال المركزي هنا او القضية المركزية هنا كم من الوقت يستطيع المجتمع الفلسطيني الصمود والوقوف في وجه هذه السياسات؟ وكم يمكن لمواقف فعلية عربية وفلسطينية أن تدعم هذا الصمود؟ حاجة الفلسطينيين في الداخل إلى دعم لصمودهم، وأن يكون هذا الدعم دائما وليس لمرة واحدة أو من فتات المائدة. والأهم ان يوجه غلى الجهات الصحيحة، كي لا يذهب هباء او يجد طريقه إلى جيوب منتفعين.

- كما في الضفة والقطاع فإن كتاب الداخل الفلسطيني مقسمون في عدة اتحادات للكتاب، ما الذي يمنعهم أن يتوحدوا في اتحاد واحد؟

  • مصالح اشخاص معينين يرون في أن اتحاد الكتاب هو موقع تزعم وقيادة سياسية، وبعضهم يتخذ من الاتحاد رافعة لنفسه ولإنتاجه، مهملا أي انتاج آخر. أضف إلى ان المؤسسة في اسرائيل لا تتدخل في هذا الشأن من منطلق انها تترقب ألا يقوم اتحاد ثابت ومعزز بدعم من الأدباء والكتاب. لهذا، نجد التشرذم قائما، والتفكك حقيقة واقعية، وهذه الحال تشبه إلى حد كبير الحال في العالم العربي. الضرورة باتت ملحة إلى تأسيس اتحاد جديد يتم بواسطته تنحية أو إقالة او استقالة بالرضا وغير الرضا للقيمين على الموجود غير الموجود، والانطلاق بثبات وقوة وعزيمة نحو غد مشرق نصون بواسطته الكلمة الفلسطينية، وهي كلمة حق وعدل واستقامة وصدق.

- هل استطاع الكتاب الفلسطينيون من أدباء، وشعراء، ومؤرخين إلخ أن ينقلوا قضيتهم إلى العالم أم أنهم ما زالوا مقصرين في ذلك؟

  • لا شك في أن ما عجزت عنه البندقية والخطوة السياسية نجحت فيه الكلمة. الأدب الفلسطيني قدم نصوصا وانتاجا انسانيا واخلاقيا راقيا ورائعا في الوقت ذاته. بعض من هذا الانتاج بلغ درجة العالمية كأعمال درويش وادوارد سعيد وابراهيم نصرالله وغيرهم. هناك دور وتأثير في بعض المحافل الدولية سواء الفكرية او السياسية للشعراء والادباء والمؤرخين وعلماء الاجتماع الفلسطينيين. بدون شك ابدا يجب العمل اكثر واكثر وتخصيص موارد مالية كجوائز ومنح وتفرغ لقيام الكتاب بمهامهم. الكلمة تؤثر جدا على العقل، والعقل يتخذ القرارات ويصنع المعجزات. يمكن لأصحاب رأس المال الفلسطينيين تقديم مالهم، ويمكن للفلسطينيين تقديم مفكريهم، ويكون اللقاء بين الدعمين المالي والفكري، وينتج عنه ما يمكن ان يترك أثرا بالغا.

- بعد جيل شعراء المقاومة ورحيل محمود درويش هل اختفى شعر المقاومة الفلسطيني، أم أن أدواته تغيرت.

  • لا أوافق على هذه المقولة، فمحمود درويش ترك أثره، صحيح أن مساحة حضوره كانت وما تزال واسعة وكبيرة، إلا أن الشعر الفلسطيني لا ينحصر في درويش، أو أنه لم يلفظ أنفاسه برحيل درويش وتوقف يراعه عن الابداع. الشعب الفلسطيني ، كما أشرت آنفا، مقاوم من اجل حياته اليومية، اي قوته، ولكنه مبدع. الفرص هي التي تنقصه، فإما أن يصنعها بنفسه، أو أن يبحث عن صانع لها. وطبيعي ان تتغير الأدوات، فإذا ما تغيرت فالشعر والأدب عامة يراوح مكانه. نحن اليوم في ظل حالة تغير وتبدل عالمية، ولا يمكننا ايقاف عجلة الزمن، بل يمكننا ان نسير مع الزمن ونحدث التأثير والتغيير. إنني أرى ان هناك مبدعين كثر بقامة درويش أو قريبا منها، لهم دور، يجب اتاحة الفرصة لهم ليكونوا صوت الأمة.

- هل يمكن القول أن جيل المثقفين الفلسطينيين بعد أوسلو أصبح جيلا مهيمنا عليه من قبل السلطة والأحزاب السياسية؟؟

  • هذا هو الوضع القائم، اي تحصيل حاصل.

وللأسف الشديد تبرز بين الفينة والفينة جوقات من أدباء ومثقفي القصر والبلاط. هناك عدد من المدعين بالثقافة قد امسكوا بمفاتيح الثقافة وانتاجهم باهت وسخيف في حين تم اقصاء وتنحية من يستحقوا القيادة الفكرية والثقافية والسياسية. لذا، فالحالة الفلسطينية بائسة بفعل ثقافة البؤس الحاصلة، او التي تم تصنيعها في مصانع السياسة الموجهة.

- هل هناك تأثير من الثقافة العبرية في اسرائيل على النصوص الأدبية الفلسطينية في الداخل؟

  • محاولات الفلسطينيين في الداخل إلى إخراج نصوصهم بصورة مستقلة ومتحررة بالمرة من المؤثرات العبرية في اسرائيل مسألة لا يمكن القول عنها أنها كاملة ومطلقة. فالحياة اليومية جارية وتترك أثرها في كثير من المركبات والمكونات. ولكن محاولات الكاتب الفلسطيني في الداخل إخراج نفسه منها تكاد تكون شبه مستحيلة. ولكن أود الاشارة في هذا السياق إلى أن الكاتب الفلسطيني في الداخل يملك ادوات مختلفة عن أخيه خارج فلسطين، ويعود ذلك إلى ضرورات الساعة او اللحظة، حيث يحتاج إلى مقارعة اسرائيل يوميا بهدف تثبيت الوجود وتأكيد البقاء. أضف إلى أن أي كاتب عربي مقيم في فرنسا او انكلترا أو المانيا يتأثر بما يجري وينشر. أنا لا أريد أن اكرس الحالة، بل أقول أن الكاتب الفلسطيني في صراع دائم بين الحفاظ على موروثه الثقافي والفكري وبين ما يدور من حوله. في الخلاصة بهذا الشأن أقول أن ما يقوم به الكاتب الفلسطيني في ميادين مختلفة يكاد يكون معجزة حقيقية في كيفية وآلية البقاء عربيا وفلسطينيا حتى اليوم.

- هل ترك الربيع العربي أثره على الثقافة؟

  • عن اي ربيع نتحدث؟ تبدد الأمل من الربيع العربي. لم يصل الربيع هذا إلى القيادة الفلسطينية ولا إلى الشعب الرازح تحت عبء الحياة اليومية. استخدمت ادوات القمع في وجه القلم وحرية التعبير عن الرأي. لأن الربيع العربي لو تم في فلسطين لأحدث انقلابا رهيبا ومخيفا وقويا في المنطقة جمعاء. الشعب الفلسطيني هو ثورة في أساسه، أو ثوري في مكوناته.

- ديوان العرب رأيك برسالتها، وماذا تطلب من القائمين عليها، ورسالتك لقرائها؟

  • ديوان العرب منبر حر للكلمة الحرة التي يبحث عنها المثقف العربي المتزن والرصين والذي يسعى إلى نقل كلمة أو فكرة أو طرح معين.
  • أطلب من القائمين على الموقع تعميق البحوث والدراسات الفكرية لأنها اساس وجود الأمة ووحدتها الفكرية والكينونية.
    أما رسالتي للقراء فهي مؤسسة على المتابعة وإبداء الرأي وليس فقط القراءة، لأن تبادل الآراء أو إبداء الرأي فيه عصف دماغي وبلورة فكر نير ومنفتح أساسه الحرية والعمق.

هذه فرصة كبيرة ان يكون لدينا موقع إليكتروني حر ومتحرر من أي سلطوية أو هيمنة جهة ما.

وأنا في نهاية هذا اللقاء أقدم جزيل شكري لمديري ديوان العرب، وأثمن عملهم وجهودهم من أجل نشر الكلمة وخاصة الكلمة الحرة في أوساط المثقفين والراغبين في المعرفة، وارجو لهم المزيد من التقدم والازدهار والانتشار.

للمزيد من المعلومات عن الدكتور جوني منصور انقر الرابط أدناه.

الدكتور جوني منصور


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً