الصفحة الأساسيةقصص وسرد
مستوطنون
الثلاثاء ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠١١
بقلم عادل سالم

قرر روحي السمان القاطن في عقبة الخالدية في القدس القديمة زيارة أقاربه في الأردن صيف عام (٢٠٠٧) بعد انقطاع دام أكثر من عشر سنوات. وقد رأى فيها فرصة للاستراحة من حواجز الجيش الإسرائيلي ومطارداته لأولاده الطلاب الذين يتعرضون باستمرار لاستفزازات دورياته.

وما أن عطل الأولاد من المدارس حتى توجه روحي وعائلته إلى الأردن ليرى التغييرات الهائلة التي حصلت فيها. فالبناء قد اتسع، وحركة السير صارت أكثر ازدحاما. أهم ما كان يثلج صدره أنه لم يعد يرى جنديا إسرائيليا يوقفه في الطريق، أو على الحاجز ليسأله عن بطاقة هويته وإلى أين يتجه، ومن أين جاء....

بعد أسبوعين من وصوله، وبينما كان يجلس مع بعض الأقارب رن جرس هاتفه النقال، نظر إلى الشاشة فرأى رقم هاتف جاره عز الدين أبو رجب، فاستغرب أن يتصل به جاره، وهو يعلم أنه في الأردن لمدة شهر.
أجاب على المكالمة بسرعة:
- ألو، السلام عليكم يا عز الدين.
- وعليكم السلام روحي...
- أيوه روحي، كيفك؟
- الحق يا روحي الحق.
- ماذا جرى يا عز؟
- المستوطنون هجموا على بيتك، كسروه، واستوطنوا فيه وادعوا أنك بعتهم إياه.
- ماذا تقول؟ مستوطنون احتلوا البيت؟
- هذا ما حصل، والجيران بعضهم صدق الخبر، واعتقدوا أنك رحلت إلى الأردن لتترك لهم البيت.
- ماذا تقول؟ أنا…؟ ما هذا الهراء سامحهم الله، الحمد لله أنك أخبرتني، ألم تخبر أخي سامح؟ ألم تبلغ أصدقائي؟
- روحي، لقد علمت بالخبر قبل قليل بعد عودتي من العمل. الناس متجمعون أسفل البيت، والمستوطنون هنا بالعشرات يغنون ويرقصون ومعهم أفراد من الجيش.
- وأثاث البيت؟
- لقد رموه بالشارع.
- الكلاب، إلى اللقاء سأكون عندك اليوم إن استطعت.

أغلق الهاتف، وهب مذعورا، لبس حذاءه وحمل جوار سفره وأوراقه الرسمية، وقال لأقاربه:
- اعذروني فقد سيطر المستوطنون على بيتي، أنا مضطر للسفر إلى القدس.

ثم استدار إلى زوجته، وقال لها:
- الحقي بي فورا غدا.
فقاطعته...
- المستوطنون؟! البيت؟! يا ويلي منهم، الكلاب، كيف يطردونا من بيتنا؟
- يدعون أنني بعتهم البيت. فشروا ولا بمليون دولار.
هب معه ابن عمه وقال له:
-  سأوصلك إلى الجسر بسيارتي هيا.

في المساء كان روحي في القدس. وقد اتصل خلال الطريق مع إخوته وطلب منهم التوجه إلى هناك، وعندما وصل كان المئات من المواطنين يتظاهرون أمام البيت فيما الجيش يقف حاجزا بينهم وبين المستوطنين اليهود.
اقترب روحي من الجيش والشرر يعلو في وجهه، صرخوا به:
- قف إلى أين؟
- إلى بيتي، أنا صاحب البيت الذي احتله المستوطنون.
- بطاقتك؟
قدم لهم بطاقته الشخصية، دققوا فيها ثم سألوه ألم تبعهم البيت؟
- كلا بيتي لن أبيعه.
- لديهم أوراق بتوقيعك أنك بعتهم البيت.
- لم أبع البيت، إنه تزوير.
- لا تستطيع فعل شيء عليك التوجه غدا إلى المحكمة.
- محكمة؟! تطردوني من بيتي وتريدونني التوجه إلى المحكمة؟

نظر إلى أثاث بيته المرمي بالشارع يبحث فيه عن أوراقه، وصوره، وملابس أطفاله. كان نصف الآثاث غير موجود. سرقوه، من سرقه؟ هل يسأل عن الملابس والبيت كله قد نهب؟
اقترب منه عز الدين، عانقه، قال له:
- أولاد الحرام سرقو آثاث البيت، استغلوا مأساتك وسرقوه. بعضهم اعتقد أنك رحلت إلى الأردن بعد بيع بيتك.

فتح الجرار يبحث عن سجلات البيت فلم يجد شيئا.
- أين الأوراق؟ كانت هنا في الخزانة.
- لا بد سرقها المستوطنون.
اقترب من صور متناثرة على الأرض، بدأ يجمعها ويقلبها، صور أولاده وهم أطفال. حاول الدخول إلى البيت فمنعه الجنود. فبدأ يصيح كالمجنون:
- هذا بيتي، بيتي يا عالم.
وبدأ يبكي، وينتحب.
السكان يهتفون.
- الله أكبر، فلسطين عربية فلتسقط الصهيونية.

أطلق الجنود عدة عيارات نارية في الهواء، وبدأوا يدفعون المواطنين الواقفين أمامهم بأعقاب البنادق. وبعد ثوان أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع على الجموع البعيدة ليفرقوها مما أجبر الناس على التفرق. لكن روحي لم يستسلم ولم يرحل وظل مع أخيه سامح بجانب أثاثه المرمي بالشارع. نام بجانبه ولم يستيقظ إلا بعد إشراق شمس اليوم التالي على أصوات الصحافيين، وبعض مندوبي الهيئات الدولية، والصليب الأحمر.

شرح روحي لكل الوفود ما حصل، وأكد لهم أنه لم يبع بيته، ولن يبيعه وأنه كان في زيارة لدى أقاربه في الأردن.

في منتصف النهار كان روحي أمام محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس مع المحامي ينفي بيع بيته ويطالب باسترداده من الذين نهبوه جورا وعدوانا.

المحكمة تطالبه بإبراز أوراقه الرسمية وتؤجل الجلسه لاستدعاء الطرف الآخر.

لم يجد روحي الأوراق في آثاث البيت، وكان عليه التوجه إلى هيئة الطابو، وإلى سجلات الكهرباء، والماء، والضرائب. لجمع ما يثبت ملكيته للبيت، لكن الجلسة امتدت إلى جلسة أخرى، وظل القاضي يؤجلها بناء على طلب المستوطنين. لم يبق آثاث في الشارع، فقد أجبرته بلدية القدس على نقله، وجمعت ما بقي منه ورمته في الزبالة، وظل علم إسرائيل يرفرف على جدار البيت لمدة عام، فشل فيها المستوطنون في إثبات ملكية البيت، فصدر قرار يجبرهم على إخلائه، وإعادته إلى صاحبه الأصلي.

فرح روحي بقرار المحكمة، لكنه سألهم، ماذا عن أتعاب المحامي؟ ماذا عن آثاث البيت الضائع ماذا عن استئجار بيت جديد ودفع أجرة جديدة كل شهر؟

عاد إلى بيته بعد أن أخرجت المستوطنين قوه من الشرطة ليجد البيت وقد زين من الداخل بالطلاء الأزرق والأبيض ( علم إسرائيل)، وفوجئ أنهم خربوا مواسير المياه. والمرحاض، وأسلاك الكهرباء، جعلوا البيت غير صالح للسكن. فتقدم بشكوى عاجلة ضدهم. فسأله القاضي اليهودي:
- ألديك ما يثبت أنهم خربوها؟
- ولكنها كانت تعمل بشكل جيد.
- هل لديك صور قبل انتقالهم للسكن إليها؟
- صور؟ وهل يصور كل مواطن داخل بيته اعتقادا منه أنه سيقف يوما مع سارقي البيت في المحكمة؟
- إذن لا إثبات لديك.
- إنه ظلم، ظلم!! كيف أسكن بيتا بدون مياه، ولا مراحيض، ولا كهرباء، ولا هاتف؟ من أين أدفع مصاريف تصليح كل ذلك؟ من أين؟


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً