الصفحة الأساسيةفي ظلال الياسمين
الدكتور إبراهيم عوض في حوار مع ديوان العرب:
معارك الأفكار أخطر من المعارك الحربية
طه حسين سرق من مرجليوت آراءه في الشعر الجاهلي
الاثنين ١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧
بقلم عادل سالم

بروفيسور في اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس في القاهرة، يعشق اللغة العربية ويدافع عنها بإيمان عاشق لها، أمام الذين يحاولون الانتقاص منها، ليس لأنها تخصصه الجامعي بل لأنه يعتبرها لغة حضارة، ولغة أمة، له العديد من الدراسات والأبحاث في شتى ميادين اللغة والثقافة، حياته الأدبية حافلة بالعطاء والتفاني، خصوصا لطلابه الذين يشعر أن معظمهم لا يحسنون الكتابة في اللغة العربية رغم تخصصهم بها. يصف العصر الحالي للعرب والمسلمين بعصر البلاهة الحضارية، ويصر أنها تسمية ابتكرها وعلى من يستخدمها أن يشير إلى مرجعها الأصلي، كاتب دائم في ديوان العرب، بل يعد أحد أعمدتها البارزين، وقد أجرينا معه هذا الحوار ليستفيد القراء من تجاربه الأدبية، والثقافية.

-  في إحدى مقالاتك ذكرت أن الأخطاء اللغوية الشائعة بين الناس وخصوصا الكتاب أنفسهم وأهل العلم والثقافة مرده اللامبالاة التي تهيمن على المواطن العربي في كل شيء، كيف يمكن حسب وجهة نظرك تصحيح ذلك؟ هل نكتفي بلوم المسؤولين والبكاء على الأطلال؟
-  العرب والمسلمون بوجه عام فى هذا الطور الحالى من تاريخهم يعانون فى أغلبيتهم مما يمكن تسميته بــ"البلاهة الحضارية"، وأرجو أن تقول للناس إن هذا المصطلح هو من ابتكاراتي حتى لا يلطشه آخر ويعزوه لنفسه. ومعناها أنهم لا يدركون أن الدنيا مؤسسة على قوانين تتكون من مقدمات ونتائج، وأنهم لا يتذوقون طعم الحياة وليس عندهم فى ذات الوقت أية رغبة فى اكتساب هذا التذوق.

والمقصود الحياة بمعناها الشامل لا بمعنى الأكل والشرب والجماع وحسب. ومن هنا فإنهم لا يفهمون معنى الكرامة القومية مثلا، وإلا لما رَضُوا بأن يظلوا فى مستنقع التخلف الشامل الذى هم فيه حيث العالم يجرى بل يطير ويحلق فى الفضاء الأعلى بأقصى ما يمكن تصوره من سرعةٍ وهِمّة، على حين أنهم "محلك سر"، لا بل إنهم ليتقهقرون ويتلذذون بهذا التقهقر. كما أنهم لا يقدّرون مطامح العقل والروح، وإلا لما كانت نسبة الأمية لديهم فى القرن الحادى والعشرين هى ما عليه الآن، ولما كان الكتاب والقراءة مكروهين منهم كراهية العمى والجرب والبرص والإيدز وفيروس الكبد الوبائى وإنفلوانزا الطيور والوحوش والجحوش جميعا، مع معرفتنا أنه لا حضارة ولا تقدم ولا إنتاج ولا قوة ولا هيبة ولا كرامة ولا إنسانية، بل لا إسلام حقيقى ولا جنة فى الآخرة أو فى الدنيا إلا بالعلم. ولكن على من تغنّى مزاميرك يا داود؟ هؤلاء ممن قال الله فيهم: "لهم قلوب لا يعقلون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها". وأرجو ألا يغضب منى القراء، وإلا فليقولوا لى: بم نصف وضع العرب والمسلمين الآن؟ إن الجامعات العربية، ودعك من المدارس ودور الحضانة، لا تزيد فى كثير من الأحيان عن أن تكون مراكز لمحو الأمية، ومراكز فاشلة للأسف، والعملية التعليمية هَلْسٌ فى هَلْسٍ فى هَلْس، وتضييعُ وقت، ودائما ما أقول: إن من رحمة الله علينا نحن المعلمين أن المسؤولين فى البلاد العربية لا يبالون بهذا الوضع المزرى، وإلا لأغلقوا الجامعات وسرَّحونا نشحذ فى الطرقات وعلى أبواب المساجد كى نأكل ونشرب ونعيش، إذ نحن لا نحسن شيئا غير التعليم والكتابة، وهما مهنتان غير مرغوب فيهما فى بلاد العرب والمسلمين. وليست الحكومات، على ما فيها من فساد وعفن وجهل وغباء ومَوَتَان ضمير وتخبط لا يمكن نكرانه أو التقليل من خطره، هى وحدها المسؤولة، بل الشعب مسؤول معها، بل قبلها، لأن الشعب هو الذى يشقى بهذه الأوضاع، أما أصحاب السلطان فإنهم يأخذون مخصصاتهم المالية العالية ويتنعمون بامتيازاتهم الضخمة الفخمة ولا يصيبهم أى ضرر من جراء هذا التخلف الضارب بجذوره الشيطانية فى كل مناحى الحياة. فإذا كان المتضرر الحقيقى، المتضرر الأول والأخير، من هذه الأوضاع، وهو الشعب، لا يبالى بشىء، فكيف نلوم الحكومات؟ إن لم تشتعل الشعوب بالحياة والحركة والتطلع إلى الأعالى والتألم مما هى فيه من رزايا وبلايا، وإن لم يأكلها جسدها بدلا من هذه البلادة المتوطنة والمنتشرة فى بدنها وروحها وعقلها وشعورها ومخها وقلبها وكل خلية فى كيانها فلا أمل. نعم، إن لم تتحرك الشعوب وتجبر حكوماتها على الحركة وتجعلها تمشى على العجين فلا تلخبطه فلا أمل. وحتى الآن لم نسمع أن أمة لم تكن تريد الحياة الحرة الكريمة ولا التقدم ثم تقدمت. هذا ضد منطق الكون الذى نعرفه. مَنْ جَدَّ وَجَد، ومَنْ زَرَعَ حَصَد، ومن يزرع الشوك فلن يجنى إلا الشوك، ومَنْ طَلَبَ العُلاَ سَهِرَ الليالى. ودائما ما أتساءل فى رعب: هل انتهت الصلاحية الحضارية للشعوب التى ننتمى إليها؟ إنه لأمر محير ويبعث على الجنون، والشعوب نائمة فى العسل، لا بل فى المجارى، ولا ترى فى الأمر شيئا غريبا. ترى ماذا يُنْتَظَر من وضع كهذا؟

-  في الولايات المتحدة حيث أقيم كل طالب مهما كان تخصصة يجب أن يكون بين المواد التي يدرسها مواد خاصة باللغة الانجليزية، (3 كورسات) لماذا لا تطبق جامعاتنا ذلك على طلابها؟
-  من السهل أن تتخذ جامعاتنا هذه الخطوة، بل إن بعض الجامعات العربية تفعل ذلك، بيد أن هذه الخطوة لم تحلّ ولن تحلّ فى نظرى المشكلة لأن المشكلة أبعد من ذلك. إنها فى الذهنية العربية التى لا ترى فى الغالب لأى علم معنى، وبخاصة إذا كان هذا العلم هو العلم باللغة العربية. فيوم تنحلّ تلك المشكلة لن يكون هناك أى قلق من هذا الجانب. والدليل على ذلك أن طلاب أقسام اللغة العربية فى الجامعات لا يحسنون الكتابة باللغة العربية. ولو اطلعت على كتابات كثير منهم فى أجوبة الامتحان فسوف تصاب بالغثيان: فقر فى المعجم اللفظى، وركاكة وتفكك فى التعبير، وعبارات تقريبية مهوشة. وفى كثير من الأحيان تشعر أن المتكلم شخص أجنبى عن اللغة، وفوق ذلك فهو شخص غبى. أما الفكر فضحل وتافه ومتخلف ولا يليق بالإنسان، ذلك الإنسان الذى حباه الله عقلا وفهما وميزه عن الحيوان. والسبب هو أن الثقافة والقراءة والعلم لا تمثل لهم أية قيمة على الإطلاق. وليس فى هذا أدنى غرابة، فالأسرة العربية لا تضع الكتاب فى ميزانيتها، بل كل همها هو حشو بطون أولادها، أما عقولهم فليس من اختصاصها ولا من اختصاص أى أحد.

-  لماذا لا يهتم الكتاب بتطوير لغتهم ويكررون نفس الاخطاء حتى بعد عشرين سنة، فكل مطلع على النصوص الإبداعية الكثيرة على الشبكة يلاحظ أن أغلبها مكتوب بلغة عربية ركيكة يكثر فيها اللحن، أين دور الكاتب في تطوير نفسه؟
-  واضح أنك لم تأخذ بالك مما كتبت فى الإجابتين السابقتين. لا تضحك من هذا الرد العابث، فإنى ألجأ بين الحين والحين إلى مثل هذه الوسيلة كى أخفف من احتقان نفسى بالمرارة من أوضاعنا المعوجة، وإلا انفجرتُ، ولا أظنك ترضى لى هذا، على الأقل: ليس قبل أن أنتهى من الإجابة على أسئلتك هذه التى أتصبب الآن عرقا وأرتجف قلقا وأنا أجيب عليها وكأنى تلميذ صغير فى امتحانِ مقررٍ من المقررات لم يقرأ منه شيئا طوال العام، ويلتفت يمينا وشمالا عله يجد زميلا "كريما" يمده بالجواب المطلوب فى غفلة من المراقب. ما علينا. نعود الآن إلى سؤالك فأقول: يوم أن يتحضر العربى التحضر الحقيقى فسوف تزول كثير من تلك العيوب والآفات. ذلك أنه قد تربى فى محيط لا يأبه بعيبٍ أو حُسْن، ولا يبالى أأساء أم أصاب. نعم تربى على ثقافة "كُلّشِنْكَان"، وهى ثقافة تقوم على تنفيذ ما يُطْلَب منه تنفيذا لا روح فيه ولا اهتمام بصواب أو خطإ أو جمال أو قبح أو إحكام أو تفكك، اللهم إلا إذا رأى السوط مرفوعا فى يد آمره، أما فى غير تلك الحالة فلا.

المهم أن يوهمك بأنه عمل ما تريد، والباقى لا يهمه بأى حال. إنها ثقافة تسديد الخانات. وهذا ملاحظ فى كل المجالات تقريبا، فلا أحد يهتم بإتقان عمله إلا على سبيل الشذوذ والندرة، مع أن إتقان العمل قيمة إسلامية، ومع أننا جميعا نبدو وكأننا مسلمون متشددون من الطراز الأول والأخير معا. لكن السؤال رغم ذلك هو: متى يتم ذلك؟ هذا هو السؤال الذى حارت البرية كلها دون أن تتوصل إلى جواب شاف كاف عليه. هناك بعض لحظات فى حياة الأمم تدب فيها روح التطلع والتوثب والتقدم، ولا أحد يعرف متى تأتى تلك اللحظات. والأمة العربية قد حباها الله بكثير من العوامل التى من شأنها أن تحرك الجبال وتبث الحياة فى الأصنام ذاتها. وكم كتب المصلحون وبُحَّتْ أصواتهم ودخلوا السجون وعُلِّقوا على أعواد المشانق، والأمة ولا كأنها هنا، بل تراها ماضية فى لهوها التافه السخيف وكأن الدنيا قد دانت لها تماما، ولا شىء يعكر صفو حياتها. إذا كان عندك حل فأرجو أن تخبرنى به، فقد عيل صبرى مثلا مع طلابى وطالباتى مع أنى لا أترك وسيلة لحثهم وتشجيعهم وتقريعهم ونخسهم والتهكم عليهم والتنكيت والتبكيت معهم وعليهم ومنهم وإليهم وفيهم... إلى آخر الظروف وحروف الجر كلها إلا اتبعتها، بما فيها إهداؤهم كتبى وبعض ما يمن الله به علىّ من مال، ولكن النتيجة النهائية صفر تقريبا. فما بالك بالأمة كلها إذن؟

وإذا كان أولئك الكتاب الذين تتكلم عنهم هم الذين يحصدون فى الغالب الجوائز ويُحْتَفَى بهم وتُنْشَر كتاباتهم فى المجلات والصحف الحكومية وتُدْفَع لهم الأجور السخية، وأينما وجهت بصرك وجدت أسماءهم، وأسماءهم وحدهم وكأن ربى وربك لم يخلق سواهم، فكيف تتوقع من أمثالهم أن يفكروا فى تجويد لغتهم وفنهم وأدبهم؟

إنهم أعقل من أن يضيعوا وقتهم الثمين (أو فلنقل: السمين كأمخاخهم السمينة) فى ذلك. أنت مثلى رجل طيب، ولذلك تفكر بالطريقة التى تفكر بها الآن، أما هم فأذكى منى ومنك (آسف: بل أذكى منى أنا وحدى)، ومن ثم لا يفكرون بها، بل لا يفكرون مطلقا. ثم لا تنس أن الشبكة العنكبوتية (أو كما أقول أنا: المشباك) لا ترد عنها لامسا، إذ كل من هب ودب يستطيع أن ينشر ما يكتب فى كثير من المواقع المشباكية، وحتى إذا لم يجد من ينشر له، وهذا مستحيل أو يكاد أن يكون مستحيلا، فما أسهل أن يتخذ لنفسه موقعا كما تعرف، و"ببلاش" إذا أراد. ولا شك أنك قد لاحظت أن كثيرا من المعلقين الذين لا يعجبهم العجب لا يستطيع الواحد منهم أن يكتب كلمة واحدة سليمة لا إملائيا ولا لغويا ولا فكريا، ومع هذا كله يظن أن بمستطاعه تخطئة "أَعَبْقَر" عبقرى فى الوجود. وسامحنى على استخدام "أفعل التفضيل" من "عبقرى" على النحو الذى استخدمته به. من نفسى أنا أيضا يا سيدى ولو مرة!

-  مجمع اللغة العربية في مصر هل يقوم بدوره أم أنه أصبح عاجزا عن مواكبة التطورات العلمية والثقافية؟
-  لا أستطيع أن أحكم حكما دقيقا على وضع المجمع، إلا أنه ينبغى التنبه إلى أن المجمع فى أحسن الأحوال يحاول ترجمة المصطلحات والتسميات الجديدة التى تتعلق بمخترعات ونظريات لم نبتدعها نحن، بل استوردناها استيردا. وليس من المعقول أن نطالبه بمواكبة كل هذا وكأنه هو الذى اخترعه وأبدعه. ولكن حين تتحول الأمة العربية إلى أمة من البشر، البشر الحقيقيين لا البشر الذين بالى بالك من فئة العشرة بمليم، البشر الذين يبدعون يخترعون ويضعون التسميات لمنتوجاتهم وإبداعاتهم فى التو واللحظة، فسوف يتغير الوضع. أما قبل ذلك فلا. وللمجمع إصدرات متعددة: مجلة وكتب محققة ومؤلفات ومترجمات ومعاجم، وبحوث لغوية دقيقة. ولكن من يقرأ؟ ومن يسمع؟ إنها فى معظم الأحيان بضاعة لا تجد من يشتريها لأنه لا أحد يعرف قيمتها بسبب التخلف والبلاهة العلمية والتبلد الحضارى الذى تكلمنا فيه.

-  هل يناقش الدكتور إبراهيم أهل بيته بما يكتب؟
- ابنى الذى يشتغل معيدا الآن كان يراجع لى تجارب الطبع إلى وقت قريب قبل أن يتركنا ويتزوج ويصبح رب أسرة. وقد قرأ بهذه الطريقة كثيرا من كتبى الأخيرة التى ألفتها بعد أن دخل الجامعة. وأحيانا ما كان يعترض على بعض الاستعمالات اللغوية فى مؤلفاتى ظنا منه أنها لا تصح أو أن هناك استعمالات أخرى أفضل منها. وكان هو وأخته الكبرى فى طفولتهما قد قرءا ثلاث قصص مغامرات كتبتها اعتمادا على بعض كتب الحديث والتفسير والتاريخ الإسلامى، ولما وجدت أنها قد شدتهما وشدت كذلك بنت الناشر السورى فى الطائف فى أوائل تسعينات القرن الماضى عرفت أنها سوف تنجح فى اجتذاب الصبيان والبنات الذين ألفتها لهم، ونشرناها على هذا الأساس. وقبل ذلك كانا قد قرءا القصص العالمية المختصرة المترجمة من الإنجليزية التى كلفتنى دار لونجمان للنشر فى ثمانينات القرن المنصرم بمراجعة ترجمتها فأُعْجِبا بها، ومنها على سبل المثال: "الكونت مونت كريستو" و"الناب الأبيض". وكانت زوجتى، أيام أن كنت أكتب بالقلم على الورق لا بالضرب على مفاتيح الكاتوب، هى التى تبيّض لى ما أسوّده من صفحات، وكان لها أحيانا رأى فيما يظهر من حدة فى بعض ما أكتب، وكثيرا ما نزلتُ على رأيها أو اقتربت منه. وكثيرا أيضا ما أبدت رأيها فيما أكتب، وككل زوجة فإنها تتخذ جانب زوجها، وتستغرب بشِدّة وحِدّة كيف أننى لم أنل الشهرة التى تظن أننى أستحقها، فيكون جوابى أننى دعوت الله أن يصرف عنى التطلع نحو الشهرة حتى لا يضيق صدرى من تأخرها أو انصرافها كلية عنى، فتسكت عندئذ غير مقتنعة، وأضحك أنا. ترى هل عندك حل آخر؟ إذن فعلىّ به. أما صغيرتنا سلوى، وهى فى الثانية الإعدادية، فرسّامة موهوبة، ولديها بذرة أديبة. ولكن لأن سنها لا تزال صغيرة فلا تقرأ لى شيئا بعد، اللهم إلا مرة واحدة قرأت فيها مقالا لى على المشباك، ويبدو أنه سَرَّها.

وفى بعض الأحيان أجدنى فى مؤلفاتى أذكر شيئا من المناقشات التى تدور بينى وبين أهل بيتى كما فى المثالين التاليين: وأولهما من كتابى: "لتحيا اللغة العربية يعيش سيبويه" الذى كتبته منذ نحو ست سنوات، والثانى من آخر ما صدر لى من كتب (فى الأسبوع الماضى فقط)، وعنوانه: "مسير التفسير- الضوابط والمناهج والاتجاهات". وهذا هو المثال الأول: "وليس الفرق بين اللغة الفصحى واللهجة العامية كالفرق بين لغتين مختلفتين كما يزعم خطأً، وإلا فكيف يفهم العامي المغرقُ في الأميةِ والجهلِ كلامَ الخطيب يوم الجمعة والآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وأبيات الشعر التي تتضمنها الخطبة عادة؟ وقل مثل ذلك في نشرات الأخبار والتحليلات السياسية والكلمات التي تلقى في الندوات العامة. كذلك كيف يفسر الكاتب مقدرة ابنتي الصغيرة التي لا تزال في المرحلة الابتدائية على فهم القصص والمجلات والكتب التي أشتريها لها لتقرأها وتستمتع بها، حتى إنها لتفاجئني بترديد بعض عباراتها الفصحى كما فعلت الليلةَ مثلا حين كنت أهدهدها وهي بجواري تقرأ في إحدى مجلات "ميكي"، إذ انطلق لسانها قائلةً: "لماذا تُرَبِّتُ على كتفي يا أبى ؟": هكذا بالنص كما شكَّلتُ الجملة، مما جعلني أهتف بصوت مسموع وأنا أقهقه: "تعال يا أستاذ شوباشى، اسمع!"، وهو ما دفعها إلى السؤال باستغراب: "من الأستاذ الشوباشي هذا يا بابا؟"، فضحكتْ زوجتي، التي تعرف الأمر وتتابعه معي أَوَّلاً بأَوَّل… والطريف أن هذه الصغيرة نفسها كثيرا ما تسألني عن بعض الكلمات والعبارات العامية التي لا تدرك معناها فيما أحب الاستماع إليه من أغانٍ مثل أغنية "غُلُبْت أصالح في روحي" لكوكب الشرق، التي لم تفهم منها عبارة "صعبان علىّ اللى قاسيته، في الحب من طول الهجران"؟". ثم هذا هو المثال الثانى، وهو فى الكلام عن بعض المفسرين الشيعيين: "ويستمر الفيض الكاشانى على سنته الشريرة فى الطعن على الخلفاء الثلاثة الكرام بكل سبيل. ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى فى الآية رقم 40 من سورة "التوبة" عن الغار الذى لجأ إليه النبى والصِّدّيق أثناء هجرتهما إلى المدينة: "إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، إذ جاء فى هذا التفسير: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، وهو أبو بكر: لاَ تَحْزَنْ، لا تخف، إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا بالعصمة والمعونة. فى الكافى عن الباقر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول لأبى بكر فى الغار: "اسكن، فإن الله معنا"، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن. فلما رأى رسول الله حاله قال له: تريد أن أريك أصحابى من الأنصار فى مجالسهم يتحدثون؟ وأريك جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون؟ قال: نعم. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، وإلى جعفر وأصحابه فى البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر، فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ أَمَنَتَه التى تسكن إليها القلوب عَلَيْهِ. فى الكافى عن الرضا أنه قرأها: "على رسوله". قيل له: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها، وهكذا تنزيلها. والعياشى عنه: إنهم يحتجون علينا بقوله تعالى: ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ، وما لهم فى ذلك من حُجَّة، فوالله لقد قال الله: "فأنزل الله سكينته على رسوله" وما ذكره فيها بخير. قيل: هكذا تقرأونها؟ قال: هكذا قراءتها". وغريبٌ جِدُّ غريبٍ أن يتم تفسير آيات الله بهذه الطريقة المفسدة للنص القرآنى قبل أن تكون مفسدة للذوق والمروءة والدين والحق والصدق والتاريخ، إذ كيف يُتَّهَم بهذه الطريقة البشعة الكريهة أبو بكر، رضى الله عنه، الذى لُقِّب بــ"الصديق" لتصديقه النبى فى كل ما أتى به وتصديه للكفار فى مواقف حاسمة خطيرة متعددة كذّبوه صلى الله عليه وسلم فيها، وبخاصة غداة حادثة الإسراء والمعراج التى زلزلت إيمان بعض المسلمين أنفسهم على ما هو معروف، فيقال عنه إنه كان يعتقد أن رسول الله ساحر؟ وهل مثل أبى بكر، بعد كل الذى صنعه من أجل نصرة الإسلام وبعد كل الذى تلقاه من الأذى وأنفقه من الأموال فى سبيل الله، يمكن أن يشك فى صدق الوعد الإلهى فى تلك الظروف بأنه سبحانه ناصر رسوله ودينه حتى يحتاج إلى أن يريه النبى أصحابه الغائبين على ذلك النحو الإعجازى الذى لم ينجح رغم ذلك فى تهدئة شكوكه ومخاوفه واضطراب أعصابه، بل زاده حيرة وضلالا (أستغفر الله) فأضمر لساعتها أن محمدا ساحر؟ لكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا يا ترى استمر فى رحلته معه ولم ينقلب إلى مكة "ويفضّها سيرة" ويتحول إلى معسكر المشركين؟ ولماذا اختار النبى هذه المعجزة بالذات فى ذلك الوقت؟ وهل كانت الظروف ملائمة للقيام بها وهما حابسان أنفاسهما فى الغار على مقربة من أقدام المطاردين؟ وما دام ثَمّ مكان للمعجزة فى تلك الظروف، أفلم يكن الأجدى أن تكون تلك المعجزة هى نقلهما فى لمح البصر إلى يثرب بعيدا عن الخطر المحدق بهما، وكفى الله المؤمنين شر الحيرة والضلال؟ ثم ما معنى أن النبى أراه جعفرا وأصحابه فى البحر يغوصون؟ هل كانوا يمتهنون الصيد أو البحث عن اللؤلؤ تحت الماء فى الحبشة حيث كانوا يقيمون وقتها؟ وأى بحر يا ترى كان ذلك، وهم إنما كانوا يعيشون على مقربة من النجاشى فى عاصمة بلاده بعيدا عن البحار؟ ولماذا هذا المشهد بالذات؟ ولقد قرأت فى تفسير "نـور الثقلين" لعبد على بن جمعة العروسى الحويزى (ت 1112هـ) رواية تقول إن النبى أَرَى أبا بكر جعفرا وأصحابه راكبين السفينة فى البحر. فما معنى ذلك؟ هل كانوا فى طريقهم للعودة إلى بلاد العرب؟ لكنهم لم يعودوا إلا بعد هذا بأعوام على ما هو معلوم، حيث ذهبوا إلى المدينة مباشرة. ثم لماذا جعفر وأصحابه بالذات؟ وهل عبارة "لا تحزن" معناها: "لا تخف"؟ ثم ما دام أبو بكر خائفا إلى هذا الحد، فمن كان أَوْلَى الاثنين بإنزال السكينة: النبى الرابط الجأش الثابت الجَنَان أم أبو بكر المضطرب اللهفان؟ ولماذا ترك الله سبحانه نبيه يطمئنّ إلى صحبة أبى بكر دون غيره من الصحابة فى هذه الرحلة البالغة الخطورة ما دام فى إيمانه دَخَل؟ ولقد كنت أحدث زوجتى فى هذا الأمر ثانى يوم كتبت فيه الفقرات السابقة واللاحقة، فإذا بها تسألنى مستنكرة موقف الشيعة فتقول: فمن يا ترى أخبر هؤلاء الناس بما جرى فى الغار؟ فقلت: ليس أمامنا إلا افتراضان: فإما أن الرسول هو الذى روى ما حدث، وإما أبو بكر نفسه. فأما أبو بكر فلن يقول عن نفسه إنه ضعيف الإيمان بالإسلام ما دام لم يشأ أن يعلن مشاعره الحقيقية تجاه ذلك الدين وتجاه الرجل الذى أتى به. فلم يبق إلا النبى. لكن من الذى روى له النبى ما وقع؟ فليجب هؤلاء الزاعمون إن كان عندهم ما يقولون. ولكن هيهات ثم هيهات ثم هيهات! وإلا ما سكتوا طوال تلك القرون. إنها كذبة غير محبوكة الأطراف كما نرى".
-  خلافات الكتاب والمفكرين والشعراء العرب كثيرة، ترى لماذا يختلف الشعراء، والمفكرون، والأدباء، وعلى ماذا يتصارعون؟
-  يختلفون كما يختلف كل البشر، ولكن لأننا أمم متخلفة فإن الاختلافات فى حياتنا أكثر من الهم على القلب، بسبب وبدون سبب، أى حُبًّا فى النكد والعياذ بالله، وإلا فكيف نقضى حياتنا التافهة الخاوية إذا خلت من تلك الخلافات؟ أما لماذا يختلفون فالأسباب كثيرة: فقد يتصارعون على المناصب والمكافآت والجوائز، وقد يتصارعون على الشهرة والنشر فى الصحف والمجلات والظهور فى التلفاز والاشتراك فى برامج الإذاعة، وقد يتصارعون على الفوز بود السلطة ورضاها وذهبها وفضتها وصفيحها وحديدها وخشبها وحطبها وقمامتها، وقد يتصارعون بسبب إحساس بعضهم أنهم أقل موهبة من غيرهم فيحقدون عليهم ويعملون على الإساءة لهم والتنقص من قيمتهم، وقد يتصارعون على امرأة، وقد يتصارعون على لاشىء. فراغة عين، بعيد عنك، وعنى أنا أيضا!

-  كل جيل على ما نرى يتمرد على الجيل الذي سبقه، هل هذه سنة الحياة؟
-  ربما لو قيل إن كل جيل يأخذ من الأجيال السابقة ويضيف إلى ما أخذه منها، أو إن المفروض أن يفعل ذلك، لكان الكلام أرجى للقبول والموافقة. أما التمرد فقد يكون مفهوما لو كان هناك تحديد لأشخاص بعينهم يتمرد عليهم المتمردون، وحتى فى هذه الحالة لا يطول التمرد كل ما قدموه، بل بعضه فقط. أما الزعم بأن التمرد يشمل كل شخص وكل شىء فى الماضى فمن يا ترى يطيق ذلك من المتمردين؟ لو كان هذا الزعم صحيحا لاستدعى ذلك من المتمردين الاستغناء عن كل شىء تقريبا فى أيديهم لأن كل شىء فى أيديهم تقريبا إنما ورثوه عن السابقين. ألا توافقنى الرأى؟

-  بمن تأثر الدكتور إبراهيم فكريا، وأدبيا؟
-  تأثرت بكل من قرأت لهم من المحدثين والقدامى: تأثرت بهيكل والمازنى والعقاد والشيخ شلتوت والزيات وأحمد أمين وطه حسين وزكى مبارك وتوفيق الحكيم وزكى نجيب محمود وطاهر لاشين وسيد قطب ومحمود تيمور ومحمد مفيد الشوباشى ومحمد مندور ويحيى حقى ومحمد الغزالى ونجيب محفوظ وولىّ الدين يكن وشفيق جبرى ومحمد كرد على وخليل سكاكينى ومحمد عزة دَرْوَزَة وعادل زعيتر وأحمد السباعى وجواد على ومالك بن نبى، والجاحظ والطبرى وابن قُتَيْبَة وابن سلاّم الجُمَحِىّ والتوحيدى وابن حزم والغزالى وابن رشد والشهرستانى والسيوطى وياقوت الحموى، وحافظ إبراهيم وناجى وشكرى والسياب ونزار ومحمود درويش وأحمد مطر والمتنبى وابن الرومى وابن زيدون وبشار والحطيئة والأعشى والنابغة وعنترة وعشرات وعشرات غيرهم من المفكرين والأدباء والشعراء.

ولولا قراءاتى لهؤلاء وسواهم، مع اختلافى رغم ذلك مع هذه الفكرة أو ذلك الموقف من بعضهم، ما كان العبد لله. ترى هل كان يمكن أن أكون لو لم ينجبنى أبى وأمى، ومن ورائهم أجدادى وجداتى رجوعا إلى سيدنا آدم وستنا حواء؟ فكذلك الأمر فى دنيا الكتابة والفكر والإبداع. وحتى لو ادعيت أننى أسد، فهل يمكن أن تكون ثمة أَسَديّة دون خرافٍ يتغذى الأسد عليها؟ أما ادعاء بعض المحسوبين على دنيا الكتابة والأدب بأنهم لم يتتلمذوا على أحد قبلهم وأنهم لا يدينون لغير موهبتهم، فهو كذب وقلة أدب ورذالة وسفالة وسفاهة وبلاهة وبلادة ووغادة... وأغلب من يقولون ذلك هم فى الواقع من المغرورين عديمى الموهبة والأدب والذوق والفهم والخلق. ومع هذا كله فلا بد أن أقول إن بين من قرأت لهم مَنْ أُوثِرهم على سواهم وأرى أن دَيْنى لهم أكبر من دينى لمن عداهم. فأنا أفضّل العقاد والمازنى وزكى مبارك مثلا من المحدثين على غيرهم، وأعتقد أن فى أسلوبى عناصر تركها كل واحد منهم فيه، فضلا عما أضفته أنا إلى تلك العناصر مما ميز ذلك الأسلوب بدوره عن أساليبهم وأساليب غيرهم.

-  يكثر الحديث دائما عن الحوار بين الشرق العربي والإسلامي، وبين الغرب (أمريكا وأوروبا)، ولا تجد هيئة، أو مؤسسة ثقافية إلا وتناقش هذه المسألة، أين نحن من الحوار مع شرق آسيا مثل الصين مثلا أو مع دول إفريقية، أو من أمريكا الجنوبية؟ لماذا التركيز فقط على الحوار مع الغرب الأوروبي والأمريكي؟ أين نحن من الحوار مع أنفسنا؟
-  تركيزنا على الحوار مع الغرب سببه أن الغرب قوى، وأنه لا يتركنا فى حالنا، وأننا عانينا منه على امتداد عدة قرون ولا نزال. ومع هذا ينبغى ألا تستغرقنا مخاوفنا من الغرب وماضينا الأليم معه عن الالتفات إلى القوى الأخرى والتحاور معها. لكن لا بد أن نعرف أيضا أن الغرب يعمل دائما على إفساد اتصالاتنا بتلك الدول. كما أن من بين صفوفنا من ينفذ ما يريده الغرب.

-  بعض الشعراء أو الأدباء يتعرضون إلى هجوم حاد من بعض القراء نتيجة مواقفهم السياسية، هل نحاكم الإبداعات الأدبية من خلال الموقف السياسي للشاعر أو الأديب؟
-  الشاعر، كغيره من البشر، إنسان ذو جوانب مختلفة. وهو حين يكتب شعرا فإن هذا الشعر لا يلغى الجوانب الأخرى غير الشعر. كما أن الشعر ليس أشكالا فنية ليس إلا، بل فيه أيضا المضامين السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية... وعلى هذا فإننى حين أطالع قصيدة ما أو أنقدها لا أتعامل مع الجانب الشكلى منها وحده، بل معها كلها كيانا واحدا. ومن ثم لا يمكن مثلا أن أقرأ قصيدة تنال من النبى محمد عليه الصلاة والسلام وتحتوى فى ذات الوقت على بعض الصور الجديدة فتستغرقنى تلك الصور وأفنى فيها وأبدى إعجابى بها وأنهال ثناء على صاحبها، وأنسى ما فيها من مضمون يؤذينى ويزعجنى. كذلك لا يصح أن تستغرقنى قصيدة ما نظمها صاحبها فى تحقير مصر مثلا لما فيها من براعة لفظية وموسيقية وأذوب إعجابا بها وبمن نظمها وأنسى ما تحتويه من إهانة لوطنى. ولتقريب المسألة أكثر وأكثر أضرب مثلا من دنيا اللصوصية: فلو أن لصا استطاع بحيلة فنية بارعة أن يسرق الكحل من عين امرأة ما فإن هذا لا يشفع له عندها فيجعلها تتناسى ما وقع عليها من غبن وتبدى إعجابها بخفة يده وتعلن أنها لا ترى فيما صنعه بأسا بعدما أدخل على قلبها السرور بحركة يده الساحرة.

-  هل أنت راض عن مسيرتك الإبداعية حتى اليوم؟ أم لا زالت أحلامك أكبر من أن تحققها؟
-  هل أنا راض؟ هل أنا راض؟ هل أنا راض؟ أكذب لو قلت لك إننى غير راض تماما عما أنتجته، وأكذب أيضا لو قلت لك إن "الأشيا معدن" وإننى راض تمام الرضا. لا شك أننى أنجزت شيئا، ولكننى أوثر أن أترك تقويم ذلك للآخرين وللتاريخ. لقد كتبت بعض الأشياء، وهى ليست من حيث العدد بالقليلة، وإن كان هناك من كتب أكثر منى كثيرا، ولكنْ ما مدى تفرُّد ما كتبت؟ وما نوع تأثيره فى دنيا الفكر والنقد والأدب؟ لا شك أن كل إنسان يتوهم، ولو فى بعض الأحيان، أن ما ألفه شىء كبير القيمة. بيد أن حكم التاريخ قد يكون على النقيض مما يتصوره عن نفسه. والعاقل على كل حال لا يرضى تماما عما صنع، بل يتطلع دائما إلى ما هو أفضل. و"أىُّ الرجالِ المهذَّبُ" كما قال نابغة بنى ذبيان فى الجاهلية؟ إذن فلنقل إننى قد عملت شيئا، وغابت عنى أشياء، ولعل الله يتقبل ما عملته، ويجعل حكم التاريخ عنى إيجابيا ولو عن طريق لجان الرأفة التى نعرفها فى امتحاناتنا فأنجح ولو بخمس وأربعين فى المائة. المهم أن أنجح، فلا شك أن هذا خير من لاشىء. ما رأيك فى هذه الإجابة؟ أحسب أنها قد ترضيك، وإلا فقل لى وأنا أغيّرها إلى ما تراه أنت حسنا بحكم رئاستك لتحرير إحدى المجلات الأدبية والفكرية ومقدرتك من ثم على سلامة الحكم فى مثل تلك الأمور.

-  لا زلت أقرأ حتى اليوم من يهاجم الدكتور الراحل طه حسين لمواقفه من الشعر الجاهلي، ومن قضايا أخرى، حسب وجهة نظرك هل يستحق كل هذا الهجوم؟
- مثل من يا ترى؟ مثلى أنا طبعا. أليس كذلك؟ نعم لقد هاجمت آراءه فى الشعر الجاهلى لأنها آراءٌ فطيرةٌ سرقها من مرجليوث مع بعض التحبيشات التى لا تقدم كثيرا ولا تؤخر. كما فنَّدْتُ نظرية مرجليوث السخيفة التى لطشها منه طه حسين، وهذا التفنيد يجده القارئ ملحقا بترجمتى لبحث مرجليوث السالف الذكر: "أصول الشعر العربى". أما رأيى فى كتاب طه حسين: "فى الشعر الجاهلى" فمتاح لمن يريد فى كتابى: "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين". كذلك بينت عوار كتاب طه حسين المسمَّى: "مستقبل الثقافة فى مصر" فى دراسة مطولة منشورة فى عدد من المواقع المشباكية، وقد يكون موقع "ديوان العرب" أحدها. وبطبيعة الحال يستحق طه حسين أن نناقش ما كتب وأذاع من آراء وأفكار وما اتخذ من مواقف، وإلا كان هذا منا تعبيرا عن لامبالاتنا به واستخفافنا بما كتب، أو رضا منا عنه وموافقة له. والفكر والأدب، مثله مثل كل شىء فى هذه الدنيا، ميدان لمعارك وحروب، ومعارك الأفكار أخطر من المعارك الحربية، إذ هى أساس كل شىء بما فى ذلك معارك السلاح. وإذا كان طه حسين قد اتخذ جانب الحضارة الغربية بحلوها ومرها وخيرها وشرها، وكاد للإسلام فى بعض كتاباته، أو على الأقل: فَهِمْنا نحن أنه كاد للإسلام، فهل نسكت ونسلّم أمرنا لله؟ أم هل نكتب كما كتب، ونرد عليه ما كتب، ونبين سوأة ما كتب؟ لقد كتب الرجل ما كتب، وهو يعلم أنه ما من كاتب إلا ويرد عليه الآخرون ويختلفون معه، فما المشكلة إذن؟ وهو نفسه كثيرا ما هاجم الآخرين من قدامى ومعاصرين، وانتقد بعنف شديد بشارا والمتنبى وأبا نواس مثلا، واتهم أبا العلاء فى دينه، فهل يحل له ما يحرم على غيره؟ هل على رأس طه حسين ريشة؟ طبعا لا. وحتى أطمئن ضميرك أقول لك إننى رغم كل ما قلت هنا أحب أن أقرأ لطه حسين وأستمتع بأسلوبه كثيرا، وطالعت "الأيام" عدة مرات، وفى كل مرة أجدها أحلى وأحلى. وكتبت منذ نحو ثلاث سنوات دراسة طويلة عن "المعذبون فى الأرض" حللت فيها أسلوب الرجل بتفصيل لا أظننى سُبِقْتُ إليه. وأغلب الظن أنكم قد نشرتم لى مشكورين هذا البحث عندكم فى "ديوان العرب".

-  بعض الكتاب العرب غير المصريين يتهمون الكتاب المصريين بأنهم يتعالَوْن عليهم، ما ردك على ذلك؟
-  الواقع أن كثيرا من المصريين يكتبون عن الأدباء العرب، سواء كانوا يستحقون الكتابة عنهم أو لا. وأنا، وأعوذ بالله الواحد الأحد من قولة "أنا"، واحد من هؤلاء. والطريف أن الكتب الثلاثة التى وضعتها عن بعض أدباء السعودية وقطر لم تجد ناشرا هناك ينشرها: لا من القطاع الخاص ولا من دور النشر الرسمية. كما كتبت مقالا عن د. يوسف عز الدين وذكرياتى معه فى الطائف نُشِر فى مجلة تصدر فى النمسا يرأس تحريرها أديب عراقى يلقب فيما أذكر بــ"العبيدى"، وكان ذلك منذ عدة سنوات. كما ترجمت من الفرنسية كتيبا ألفته عنه د. ثريا نجم أستاذة الأدب الفرنسى بجامعة المنوفية بمصر بعنوان "تلقائية" وألحقت به بعض الفصول النقدية. ولكن من ناحية أخرى لا يمكن أن ننتظر من كل كاتب مصرى أن يحيط علما بالأدب العربى كله خارج مصر، إذ الأدباء المصريين من الكثرة بحيث يصعب على الناقد المصرى أن يعرف الكثير عن غيرهم من الأدباء خارج مصر. ومع هذا فإن الواقع يقول إن النقاد المصريين رغم ذلك قد وجهوا كثيرا من اهتمامهم إلى إخوانهم من الأدباء العرب. وأخيرا فهل يُولِى النقادُ العربُ غيرُ المصريين الأدباءَ المصريين الاهتمامَ اللائقَ بعددهم وريادتهم؟ كذلك سمعت أن بعض العرب يتهمون المصريين الذين يكتبون عن أدبهم بأنهم إنما يعملون على التقرب منهم. أى أن المصريين متهمون من ذات اليمين ومن ذات اليسار.

-  لو اتصلت بك مؤسسة أمريكية وقالت لك: لقد رشحناك للفوز بجائزة أدبية قيمة، فما أول رد فعل لك على ذلك؟
-  مؤسسة أمريكية حِتَّة واحدة؟ هذا كثير! كن بحبوحا يا رجل، وخَلِّها حِتَّتَيْن أو ثلاث حِتَت. ومع هذا فهل لى أن أفهم أن فى جعبتك شيئا لى؟ قل ولا تتركنى أتقلى على جمر القلق والتوتر! على كل حال أنا أطمئنّ لك ولحسن رأيك وتقديرك للأمور. ولهذا فيوم أن يقال إنك يا فلان فزت بجائزة من أمريكا، والمهم أن تكون جائزة تملأ العين حتى تعوضنى عن القحط الجوائزى الذى أعيش فيه منذ أن أصحبت كاتبا، إن كنت أستحق أن يقال عنى إننى كاتب، فسوف أستشيرك أول واحد: فإن قلت: خذ الجائزة وتوكل على الله فسيكون هذا مسوغا كافيا كى أصدّق أننى أستحقها وأنه يحلّ لى أن آخذها، أما إن كانت الأخرى وقلت: لا تأخذها فقد أغضب وأحرن وأمد يدى وآخذها رغم ذلك. واضح أنى أضحك ما دامت المسألة ضحكا فى ضحك، إذ مَنْ فى أمريكا يعرف عن العبد لله شيئا؟ إلا أنت طبعا، وأنت مثلى لا تملك من الأمر فى أمريكا شيئا، اللهم إلا إذا كان الرئيس بوش قد اختارك لوزارة الثقافة فى التشكيل الوزارى الجديد وطلب منك تحديدا أن تعطى إبراهيم عوض جائزة، تكفيرا عن سيئات أمريكا المتلتلة عملا بالآية الكريمة: إن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئات" وكذلك الحديث النبوى الشريف: "أَتْبِع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها"، جائزة يرم بها عظمه ويشبرق بها نفسه ويذوق للذات طعما، فهو رجل يتيم غلبان مكسور الجناح لا يهش ولا ينش ولا يُرْجَى منه نفع ولا يُخْشَى منه ضُرٌّ ولا أذى، ومن ثم فإن العمل الصالح الذى يُصْنَع معه يكون خالصا لوجه الله لا لمصلحة تُرْتَجَى من ورائه.

والمهم أن تكون جائزة كبيرة تستأهل كما اتفقنا. ففى هذه الحالة ينبغى أن أطرح الضحك جانبا وأن أستعد. ومن جهتك أرجو وآمل ألا تفشى خبر دخولك الوزارة عما قريب لأى أحد حتى لو كان للطير المسافر فى السماء عملا بالمثل القائل عندنا فى مصر: "دارِ على شمعتك تَقِد"، خشية أن ينقضّ أحد "الزُّمْبَجِيّة" من أدباتية العالم العربى المغرمين بالنكد وتضييع الوزرارات على عباد الله الصالحين، وما أكثرهم، فيفسد عليك أمرك، وعلىّ أنا أيضا بالتبعية، وبالتالى فلا جائزة ولا يحزنون.

-  كلمة أخيرة لقراء ديوان العرب؟ واقتراحاتك لطاقم التحرير؟
-  أشكركم يا ديوان العرب، وأتمنى لكم يا قراء ديوان العرب حياة عقلية وثقافية وفنية وأدبية غنية رحبة واسعة.

سيرة ذاتية

-  الاسم الكامل: إبراهيم محمود عوض
-  اسم الشهرة: إبراهيم عوض
-  مكان وتاريخ الميلاد: قرية كتامة الغابة- غربية فى 6/ 1/ 1948م
-  البلد الأصلي: مصر
-  التخصص الجامعي: اللغة العربية وآدابها
-  الشهادة الجامعية والجامعة: أستاذ (بروفيسور) بجامعة عين شمس
-  التخصص الأدبي: ناقد أدبى ومفكر
-  البريد الألكتروني: Ibrahim_awad9@yahoo.com
-  رقم الهاتف: 26032631 (القاهرة)

من مؤلفاته:

  1. معركة الشعر الجاهلي بين الرافعى وطه حسين
  2. المتنبي - دراسة جديدة لحياته وشخصيته
  3. لغة المتنبي- دراسة تحليلية
  4. المتنبي بإزاء القرن الإسماعيلي في تاريخ الإسلام (مترجم عن الفرنسية مع تعليقات ودراسة)
  5. المستشرقون والقرآن
  6. ماذا بعد إعلان سلمان رشدي توبته؟ دراسة فنية وموضوعية للآيات الشيطانية
  7. الترجمة من الإنجليزية – منهج جديد
  8. عنترة بن شداد– قضايا إنسانية وفنية
  9. النابغة الجعدي وشعره
  10. من ذخائر المكتبة العربية
  11. السجع في القرآن (مترجم عن الإنجليزية مع تعليقات ودراسة)
  12. جمال الدين الأفغاني- مراسلات ووثائق لم تنشر من قبل (مترجم عن الفرنسية)
  13. فصول من النقد القصصي
  14. سورة طه– دراسة لغوية وأسلوبية مقارنة
  15. أصول الشعر العربي (مترجم عن الإنجليزية مع تعليقات ودراسة)
  16. افتراءات الكاتبة البنجلاديشية تسليمة نسرين على الإسلام والمسلمين – دراسة نقدية لرواية "العار"
  17. مصدر القرآن – دراسة لشبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحي المحمدي
  18. نقد القصة في مصر من بداياته حتى 1980م
  19. د.محمد حسين هيكل أديبا وناقدا ومفكرا إسلاميا
  20. ثورة الإسلام– أستاذ جامعي يزعم أن محمدا لم يكن إلا تاجرا (ترجمة وتفنيد)
  21. مع الجاحظ في رسالة "الرد على النصارى"
  22. كاتب من جيل العمالقة: محمد لطفي جمعة – قراءة في فكره الإسلامي
  23. إبطال القنبلة النووية الملقاة على السيرة النبوية– خطاب مفتوح إلى الدكتور محمود على مراد فى الدفاع عن -# سيرة ابن إسحاق
  24. سورة يوسف - دراسة أسلوبية فنية مقارنة
  25. سورة المائدة– دراسة أسلوبية فقهية مقارنة
  26. المرايا المشوِّهة- دراسة حول الشعر العربي في ضوء الاتجاهات النقدية الجديدة
  27. القصاص محمود طاهر لاشين- حياته وفنه
  28. في الشعر الجاهلي- تحليل وتذوق
  29. في الشعر الإسلامي والأموي- تحليل وتذوق
  30. في الشعر العباسي- تحليل وتذوق
  31. في الشعر العربي الحديث- تحليل وتذوق
  32. موقف القرآن الكريم والكتاب المقدس من العلم
  33. أدباء سعوديون
  34. دراسات في المسرح
  35. دراسات دينية مترجمة عن الإنجليزية
  36. د.محمد مندور بين أوهام الادعاء العريضة وحقائق الواقع الصلبة
  37. دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية- أضاليل وأباطيل
  38. شعراء عباسيون
  39. من الطبري إلى سيد قطب- دراسات في مناهج التفسير ومذاهبه
  40. القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية
  41. اليسار الإسلامي وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة
  42. محمد لطفي جمعة وجيمس جويس
  43. "وليمة لأعشاب البحر" بين قيم الإسلام وحرية الإبداع- قراءة نقدية
  44. لكن محمدا لا بواكي له- الرسول يهان في مصر ونحن نائمون
  45. مناهج النقد العربي الحديث
  46. دفاع عن النحو والفصحى- الدعوة إلى العامية تطل برأسها من جديد
  47. عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين
  48. الفرقان الحق: فضيحة العصر
  49. لتحيا اللغة العربية يعيش سيبويه
  50. التذوق الأدبي
  51. الروض البهيج في دراسة "لامية الخليج"
  52. سهل بن هارون وقصة النمر والثعلب- فصول مترجمة ومؤلفة
  53. في الأدب المقارن- مباحث واجتهادات
  54. مختارات إنجليزية استشراقية عن الإسلام
  55. نظرة على فن الكتابة عند العرب في القرن الثالث الهجري (مترجم عن الفرنسية)
  56. فصول في ثقافة العرب قبل الإسلام
  57. بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001: ماذا يقولون عن الإسلام؟ (نصوص وردود)
  58. دراسات في النثر العربي الحديث
  59. "مدخل إلى الأدب العربى" لهاملتون جب- قراءة نقدية (مع النص الإنجليزي)
  60. مسير التفسير: الضوابط والمناهج والاتجاهات
  61. علاوة على مثل هذا العدد من الدراسات والكتب المنشورة في المواقع المشباكية المختلفة، وعلى رأسها موقعي :

http://awad.phpnet.us


تعقيبك على الموضوع
في هذا القسم أيضاً